آراءمجتمع
أخر الأخبار

الصحراء المغربية: من 1991 إلى 2026.. عودة إلى حالة من عدم اليقين الاستراتيجي وأمل في سلام ينشده الصحراويون

لقد أظهر المغرب قدرة على التخطيط بعيد المدى، وتعبئة الجهود الدبلوماسية، وتحقيق التنمية الترابية، مع بذل جهود كبيرة من أجل إعطاء الأولوية لحل سلمي

بقلم: ابا بتاح

قراءة جيوسياسية وشهادة شخصية لصحراوي وُلد سنة 1975

وُلدت سنة 1975، وهي السنة التي شهدت تحولاً مفصلياً في مسار قضية الصحراء المغربية. وبعد واحد وخمسين عاماً، لم يعد أعمق ما أتمناه هو استمرار هذا النزاع، بل أن أرى الصحراويين يعيشون أخيراً في ظل السلام والكرامة والازدهار.

إن التطورات الأخيرة داخل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، والتي تميزت باستخدام روسيا حق النقض (الفيتو) يوم 30 أكتوبر 2026 ضد مشروع القرار الأمريكي، وفشل المشروع الروسي البديل، تفتح مرحلة جيوسياسية جديدة لم تتضح بعد جميع تداعياتها.

وفي تقديري، فإن هذه الأحداث تستدعي قراءة تتجاوز ردود الفعل الآنية والاعتبارات العاطفية وموازين القوى الدبلوماسية وحدها.

1. هل نعود إلى سنة 1991؟ نعم، ولكن في عالم مختلف جذرياً

إن احتمال اختفاء بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء المغربية (المينورسو) قد يعيدنا، على نحو مفارق، إلى بعض أوجه حالة عدم اليقين التي كانت سائدة قبل وقف إطلاق النار سنة 1991.

غير أن هذه المقارنة تستدعي قدراً من التمييز والتدقيق.

ففي سنة 1991، جاء إنشاء بعثة المينورسو في إطار مسار للتسوية استند إلى وقف إطلاق النار والتطلع إلى تنظيم استفتاء.

أما في سنة 2026، وبعد خمسة وثلاثين عاماً من الحضور الأممي، فقد باتت القضية مطروحة في بيئة تغيرت معالمها بشكل عميق.

لقد تبدلت التوازنات الجيوسياسية، وتطورت التحالفات الدولية، وأعيد تشكيل المصالح الاقتصادية والأمنية، وأصبحت قضية الصحراء تندرج اليوم ضمن ديناميات أوسع بكثير، تشمل استقرار المنطقة المغاربية، وأمن منطقة الساحل، والانتقال الطاقي، والتكامل الإفريقي، وإعادة تشكيل موازين القوى الدولية.

وبالتالي، قد نعود إلى بعض أوجه عدم اليقين التي طبعت سنة 1991، لكننا بالتأكيد لن نكون أمام موازين القوى نفسها.

2. المغرب: مكتسبات استراتيجية تتجاوز غياب التسوية النهائية

أعتبر أن المغرب حقق خلال العقود الماضية تقدماً استراتيجياً مهماً.

فقد نجح نهجه تدريجياً في نقل مركز ثقل النقاش الدولي نحو البحث عن حل سياسي عملي وتفاوضي ومستدام.

وفي هذا السياق، تشكل مبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب سنة 2007 مبادرة رئيسية.

فهي تعكس إرادة تجاوز منطق المواجهة والبحث عن حل يقوم على تقاسم فعلي للمسؤوليات، وإرساء حكامة ترابية تراعي الخصوصيات المحلية للمنطقة، في إطار السيادة المغربية.

وقد شكل قرار مجلس الأمن رقم 2797، المعتمد في أكتوبر 2025، تحولاً مهماً، من خلال جعله هذه المبادرة أساساً للمفاوضات، والإقرار بأن حكماً ذاتياً حقيقياً يمكن أن يمثل المخرج الأكثر قابلية للتحقق.

صحيح أن هذا التطور لا يعني أن النزاع قد حُسم قانونياً وسياسياً بشكل نهائي.

لكن سيكون من الاختزال أيضاً اعتبار أن غياب التسوية النهائية يعني غياب أي تقدم.

ففي الحسابات الاستراتيجية، ينبغي التمييز بين تحقيق الهدف النهائي وبين التحسن التدريجي للشروط التي تسمح بالوصول إليه.

لقد أظهر المغرب قدرة على التخطيط بعيد المدى، وتعبئة الجهود الدبلوماسية، وتحقيق التنمية الترابية، مع بذل جهود كبيرة من أجل إعطاء الأولوية لحل سلمي.

وتشكل هذه المكتسبات، في تقديري، رصيداً استراتيجياً ينبغي العمل اليوم على الحفاظ عليه وتعزيزه.

3. مخاطر التصعيد: عندما يتحول الجمود السياسي إلى تهديد أمني

لعل هذه النقطة تحديداً هي التي تستدعي أكبر قدر من اليقظة خلال الأسابيع والأشهر المقبلة.

فإذا تحقق انسحاب بعثة المينورسو، فإن إضعاف آليات المراقبة الدولية واحتواء التوتر قد يؤدي إلى ارتفاع مخاطر وقوع حوادث عسكرية.

وفي مثل هذا السياق، ينبغي عدم الاستهانة باحتمال وقوع استفزازات أو تحركات من جانب جبهة البوليساريو، قد تؤدي إلى رد عسكري وتصعيد يصعب التحكم في مساره.

أما السيناريو الأكثر إثارة للقلق، فيتمثل في انزلاق الأوضاع نحو مواجهة مباشرة بين المغرب والجزائر.

ولا يعني ذلك الجزم بحتمية هذا السيناريو، أو إسناد نوايا مؤكدة إلى مختلف الأطراف، وإنما يتعلق الأمر بتحديد خطر استراتيجي قد تكون له عواقب بالغة الخطورة.

فاندلاع حرب مفتوحة بين بلدين جارين لن يشكل انتصاراً لأي من الشعبين.

بل سيؤدي إلى إضعاف المنطقة المغاربية بشكل طويل الأمد، وتقويض آفاق التكامل الاقتصادي، واستنزاف موارد أساسية كان من الممكن توجيهها نحو التنمية البشرية.

ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي يكمن في منع تحول المكاسب الدبلوماسية التي جرى بناؤها تدريجياً إلى نقطة ضعف أمنية، نتيجة دينامية التصعيد.

4. وأين الصحراويون من كل هذا؟ جيل كامل ينتظر السلام

هنا تحديداً يلتقي تحليلي الجيوسياسي مع قصتي الشخصية.

أنا صحراوي. وُلدت سنة 1975.

أنتمي إلى جيل عاش حياته بأكملها على إيقاع هذا النزاع.

لقد نشأنا وسط تداعياته وحالات عدم اليقين التي رافقته، وما خلفه من فراق بين الأسر، وآمال ظلت تتجدد بين الحين والآخر.

واليوم، وأنا في الحادية والخمسين من عمري، أطرح على نفسي سؤالاً بسيطاً:

كم جيلاً آخر ينبغي أن يولد وينشأ ويشيخ قبل أن يجد هذا النزاع طريقه إلى تسوية نهائية؟.

لا يمكن أن يظل الصحراويون إلى الأبد مجرد متغير في معادلات التوازنات الجيوسياسية، أو ورقة تُستعمل في المواجهات الدبلوماسية.

إنهم، قبل كل شيء، نساء ورجال وأطفال وأسر يتطلعون إلى العيش والعمل والتعلم والإبداع ونقل مستقبل أفضل إلى أبنائهم.

وأفكر هنا في الصحراويين الذين يعيشون في الأقاليم الجنوبية، وكذلك في أولئك الموجودين بمخيمات تندوف، وفي الأسر التي فرقتها الظروف، والأجيال التي لم تعرف سوى تداعيات هذا الوضع.

وبعيداً عن الاختلافات السياسية، ينبغي أن يكون هناك تطلع إنساني أساسي قادر على توحيدنا، وهو أن نورث أبناءنا مستقبلاً يسوده السلام بدلاً من أن نورثهم نزاعاً مستمراً.

أما بالنسبة إليّ، فإنني أتمنى بعمق أن يبرز حكم ذاتي حقيقي وذي مصداقية وفعال، في إطار السيادة المغربية، بما يتيح للصحراويين المشاركة الكاملة في تدبير شؤون منطقتهم والمساهمة في بناء مستقبلهم.

حكم ذاتي لا يكون مجرد صيغة مؤسساتية، بل مشروعاً مجتمعياً حقيقياً.

حكم ذاتي يثمن هويتنا الحسانية، وتراثنا الثقافي، وكفاءاتنا، وشبابنا، وقدرتنا الجماعية على المبادرة والمقاولة.

فالسلام لا يقتصر على غياب الحرب، بل ينبغي أن يوفر الشروط الضرورية لتحقيق الازدهار الإنساني.

5. من المكسب الدبلوماسي إلى الازدهار المشترك: الرهان الاستراتيجي الحقيقي

في تقديري، يتعين على المغرب اليوم مواصلة العمل في اتجاه تحقيق مجموعة من الأهداف المتكاملة في الوقت نفسه.

أولاً، الحفاظ على مكتسباته الدبلوماسية، مع إبقاء قنوات التفاوض وخفض التصعيد مفتوحة.

ثانياً، تعزيز التماسك الوطني وتعبئة مختلف الفاعلين حول رؤية مشتركة لمستقبل الأقاليم الجنوبية.

لكن الأهم من ذلك، هو تسريع وتيرة التحول الاقتصادي والاجتماعي في هذه المناطق.

فمن الضروري أن تترجم الاستثمارات في البنيات التحتية والطاقات المتجددة والموارد البحرية والفوسفاط والتكوين والمقاولة إلى فرص ملموسة أكثر لفائدة الساكنة المحلية.

ولا ينبغي قياس التنمية بحجم الاستثمارات المنجزة وحده، بل أيضاً بقدرتها على إحداث فرص شغل مستدامة، وإبراز مقاولين محليين، وتطوير الكفاءات، وتحسين ظروف العيش.

وفي هذا الإطار، تضطلع المقاولات والجامعات والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية والمجتمع المدني بدور حاسم.

ويتعلق الأمر بتعبئة المنظومات المحلية والوطنية والدولية حول طموح مشترك، يتمثل في جعل الأقاليم الجنوبية فضاءً نموذجياً للتنمية البشرية والابتكار والازدهار المشترك.

وهكذا أيضاً يمكن للحكم الذاتي أن يكتسب كامل أبعاده، من خلال الجمع بين المشروعية المؤسساتية والمشاركة المواطنة والمسؤولية الترابية وخلق القيمة لفائدة السكان.

6. تحويل خمسين عاماً من النزاع إلى طموح للخمسين عاماً المقبلة

ما زلت مقتنعاً بأن الدبلوماسية، على الرغم من أهميتها البالغة، ليست سوى جزء من الحل.

فالنجاح الحقيقي سيُقاس بقدرتنا الجماعية على تحويل تاريخ طبعته الصراعات إلى دينامية مستدامة للمصالحة والتنمية وبناء الثقة.

وهذا يقتضي التفكير بما يتجاوز الاستحقاقات الدبلوماسية الآنية.

كما يقتضي إعداد الشروط الإنسانية والمؤسساتية والاقتصادية والثقافية الكفيلة بإرساء سلام دائم.

وعندئذ، يمكن للصحراء أن تتحول من فضاء للمواجهة إلى جسر يربط المغرب الكبير ومنطقة الساحل وإفريقيا الأطلسية.

منطقة تحل فيها التكاملات الاقتصادية تدريجياً محل التنافسات، ويجد فيها الشباب آفاقاً تتناسب مع طموحاتهم، وتصبح فيها الهوية الصحراوية ثروة تحظى بالتثمين الكامل.

خاتمة: وُلدت مع هذا النزاع، وأتمنى أن أشهد نهايته خلال حياتي

في سنة 1975، جئت إلى الدنيا في منطقة كان مستقبلها على وشك أن يتأثر بعمق بمسار الأحداث التاريخية.

وفي سنة 2026، وبعد واحد وخمسين عاماً، أستحضر المسافة التي قطعناها، والتضحيات التي بُذلت، والتحديات التي لا تزال قائمة.

إنني مقتنع بأن المغرب يتوفر اليوم على مقومات استراتيجية مهمة لدفع مسار التوصل إلى حل سياسي مستدام.

لكنني مقتنع أيضاً بأن أعظم انتصار لن يكون دبلوماسياً ولا عسكرياً ولا حتى مؤسساتياً، بل سيكون انتصاراً إنسانياً.

وسيتجسد ذلك عندما يتمكن الصحراويون من النظر إلى المستقبل بثقة، وعندما تلتئم الأسر التي فرقتها الظروف، وعندما يتمكن شبابنا من بناء مستقبلهم فوق أرضهم، وعندما يحل الازدهار المشترك نهائياً محل منطق المواجهة.

لا أتمنى أن يضطر أبنائي، ولا الأجيال التي ستأتي من بعدهم، إلى تخصيص خمسين عاماً أخرى للنقاش حول نزاع ورثوه عن الأجيال السابقة.

لقد وُلدت سنة 1975 مع هذا النزاع، وأكبر أمنياتي أن أشهد نهايته خلال حياتي، لا عبر حرب جديدة، بل من خلال سلام عادل ودائم، يضمن الكرامة والازدهار لجميع الصحراويين.

إنها قراءة شخصية تنبع من ارتباطي بجذوري الصحراوية، ووطني، ومستقبل الأجيال القادمة.

https://anbaaexpress.ma/ekqc5

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى