آراء
أخر الأخبار

وهم الأستاذية.. وآليات الاستفزاز لدى الدعاة المعاصرين

يظل الرهان الحقيقي معقوداً على وعي المتلقي في تمييز الخبيث من الطيب والفرز بين الخطاب الزائف الذي يستمد وجوده من الإثارة واحتكار الحقيقة وبين المعرفة الراسخة التي تثمر تواضعاً وعمراناً ونفعاً للناس

يتعاظم في المشهد الرقمي المعاصر حضورُ أنماطٍ خطابية تدعي حمل مشعل التوجيه الروحي والفكري، غير أن التأمل العميق في مضامينها يكشف عن تحول لافت في طبيعة التأثير الجماهيري الذي بات يعتمد على الانطباعات السطحية ومظاهر المهابة المفتعلة بدل الرسوخ العلمي والتحصيل الممتد، مما فتح الباب أمام بروز ظاهرة النجومية السريعة التي تخاطب الانفعالات وتغيب العقل النقدي.

ويتجلى هذا التحول في اتخاذ المظهر الخارجي والشكل الرمزي غطاء لممارسة الفوقية وإزعاج المخالفين، الأمر الذي يجعل المتابع أمام خطاب يمزج بين الإثارة والتسفيه من جهة، والوصاية والادعاء المعرفي من جهة أخرى.

فكيف تتشكل آليات الاستفزاز وممارسات الأستاذية في هذا الخطاب الدعوي الرقمي، وكيف يقدم الدين في صفائه الأول رؤية عملية لبناء الإنسان وإقامة الحضارة بعيداً عن هذا العلاء المفتعل؟

أضحت صفة الداعية في كثير من السياقات الرقمية مساحة مستباحة يرتادها من يفتقر إلى التأصيل المتين، حيث يكتفي المتحدث بإتقان مهارات التجييش واستثارة العواطف مع اعتماد لغة الزجر والوصاية المعرفية على عقول المتابعين، مرتدياً الأثواب التقليدية ومطلقاً لحيته لاستدعاء هيبة نمطية تجلب آلاف المتابعات وتصنع نجماً إلكترونياً خاطفاً.

ولا ينفصل نجاح هذا النموذج عن قابلية الجماهير للاستهلاك العاطفي، إذ يجد المتابع المجهد من تعقيدات العصر في هذه الطروحات ملاذاً مريحاً يمنحه يقيناً زائفاً وإجابات مبسطة حاسمة تحميه من عناء التفكير والبحث، وتجعله يرى في هذا المتحدث بطلاً يذود عن حياض الهوية.

وتتضح أبعاد هذا المشهد بالنظر إلى المعارك التي رافقت طروحات الدكتور الفايد، والتي كشفت عن أزمة عميقة في أدوات الحوار الرقمي، حيث ظهر على هامش تلك السجالات، ورغم اختلافي الشديد معه فيما يذهب إليه، جمع من المتحدثين الذين يفتقرون إلى التكوين المعرفي والدراسي الذي يؤهلهم لتقييم تلك القضايا، فتسابقوا إلى تأجيج الخطاب التكفيري والطعن في النيات دون أن نجد فيهم من ينصح أتباعه بالترفع أو الحلم.

ويتغذى هذا النمط الطارئ على السجالات العقيمة لإرباك المخالفين وإسكاتهم، إذ يتوسل بالتحريض المستمر لشحن الأتباع، معتمداً الاستفزاز المباشر لاستدراج المخالفين نحو ردود أفعال غاضبة تفقد معها حججهم الرصانة والتوازن، وهو ما يظهر حين يتصدر المتحدث الشاشات أو يطل عبر البث المباشر فيسفه مناهج المخالفين ويتهكم على أشخاصهم ليحط من قدرهم، أو حين يُسأل عن طرح فكري مختلف فيترك مناقشة الأفكار جانباً ليطعن في الأخلاق ويخوّن أصحابها بادعاء تنفيذهم لأجندات مشبوهة، محاولاً حجب جوهر القضية عبر مقاطعة المخالف بصوت عالٍ في اللقاءات لإخراجه عن شعوره، فضلاً عن الابتسامات الساخرة التي تقلل من شأن أسئلة السائلين لإحراجهم وتخويف غيرهم من التفكير.

تنعكس هذه السلوكيات الاستفزازية في قالب يتسم بفرض الوصاية وتنصيب الذات حارساً على عقول الناس لتوجيههم نحو ما يجب أن يفهموه، من خلال الخروج في مقاطع تحظر قراءة كتب معينة وتنصب هذا المتحدث المحكّم الوحيد في تصنيف المفكرين، ينطلق في ذلك من استعلاء يضع الجميع في مرتبة المبتدئين أمامه.

ويكثر من تقديم صيغ جاهزة ومجردة يُطالب بالخضوع لها دون نقاش، مدفوعاً بادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة وتوهم التفوق الأخلاقي على كل من حوله، فيتعامل مع كل قراءة أخرى كأنها هجوم على الثوابت، وهذا التعامل الفوقي يترجمه تعالي الخطاب الذي يرفض المساواة والتكافؤ ويخاطب الجمهور بأسلوب الزجر القادم من برج عاجي، مع سعي دؤوب لإحكام الهيمنة على مجريات الحوار ليبقى الصوت الوحيد المسموع، ولا يتورع عن ممارسة التوجيه بجدية متصلبة يغذيها غرور ينضح من نبرته وإشاراته، بينما يحاول باستمرار تغليف هذا الجفاء بادعاء الحكمة والحرص على هداية الناس ليبرر تضييقه على الآراء وإسكاته للمخالفين بغطاء الرعاية.

ولا تمثل هذه الظاهرة وليدة اللحظة الرقمية الراهنة فحسب، بل هي امتداد لسلوكيات قديمة شهدتها سياقات تاريخية مختلفة حين كان يتعالى بعض الأدعياء بالمعرفة على عامة الناس، غير أن المساحات الشبكية اليوم ضاعفت من حدة هذا الانحراف ووفرت له الانتشار السريع.

إذ يتغذى هذا السلوك الفوقي على خلفية أيديولوجية تمنح المتحدث مسوّغاً داخلياً لممارسة الأستاذية وتهميش الآخرين، حيث يُجتزأ النص وتُنتزع الآيات من سياقها الإيماني لتُصاغ منها رخصة لممارسة الاستعلاء على الجميع، إذ يعمد البعض إلى تأويل قوله تعالى وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين تأويلاً يخرجها من مقصدها الإيماني الأخلاقي ليجعلها وسيلة لفرض التسلط الفكري وترسيخ الشعور بالأفضلية على المخالفين.

إن توهم امتلاك الحقيقة المطلقة يلغي بالضرورة التكافؤ الفكري ويحول الحوار إلى منصة للتسفيه والتوجيه القسري، حيث يرى هذا النموذج نفسه معلماً يملك الحق وحده ويرى باقي البشر مجرد تابعين يلزمهم الامتثال والإنصات.

وهنا يبرز المعنى الأصيل، إذ يمثل جوهر هذا الدين بديلاً يكمن في بساطته ونفوذه السلس إلى القلوب والعقول دون حاجة إلى تعقيد أو تصنع، فهو يتسع للجميع ويعلم أهله التواضع والترفع عن الغرور المعرفي، وههنا يتجلى الفارق بين عالم مؤصل يتهيب الفتوى ويحترم عقول مخالفيه ويرى في المعرفة باباً للتواضع والخشية، وبين مدعٍ طارئ يتخذ من الدين وسيلة للاستعلاء وينظر إلى المخالفين كخصوم يلزم إخضاعهم وتسفيه أفكارهم.

إذ يتجلى الفهم العميق لقول النبي صلى الله عليه وسلم المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، بحيث لا تقف القوة هنا عند حدود الجسد أو السطوة الفردية، بل تمتد لتشمل القوة في تحصيل المعرفة العلمية النافعة، وتهذيب السلوك، وضبط النفس عند السجال، وبناء الإنسان، وإقامة الحضارة، وتكوين عقل نقدي يميّز بين الحق والباطل بعيداً عن الوصاية والاتباع الأعمى، وهذه القوة الأخلاقية والعقلية هي الكفيلة بفضح خفة الادعاء وصناعة الأثر الممتد.

يظل الرهان الحقيقي معقوداً على وعي المتلقي في تمييز الخبيث من الطيب والفرز بين الخطاب الزائف الذي يستمد وجوده من الإثارة واحتكار الحقيقة وبين المعرفة الراسخة التي تثمر تواضعاً وعمراناً ونفعاً للناس.

فهل يستطيع العقل الجمعي اليوم تجاوز جاذبية الشكليات والمظاهر لاستعادة جوهر المعرفة الأصيلة، أم إن سلطة الصورة الجاهزة ستظل تعطل قدرة المجتمع على التمييز والنقد؟.

https://anbaaexpress.ma/rc7h6

عبدالله فضول

كاتب مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى