نلاحظ جميعاً كيف أصبحت النقاشات اليوم على وسائل التواصل الاجتماعي مليئة بالغضب والتعصب والرغبة في الانتصار على المخالف بأي ثمن. لم يعد الهدف هو الوصول إلى الحقيقة أو الفهم المتبادل، بل أصبح كل طرف يسعى إلى إحراج الطرف الآخر وإلغائه.
وهذا الوضع يدفعنا إلى التساؤل بوضوح: كيف يغيب احترام الإنسان وحسن الخلق عن نقاشات تدعي الدفاع عن الدين والقيم؟ ولماذا يصعب علينا أن نتحاور بهدوء وتواضع دون شتم أو تكفير؟
لم تشكل الأخلاق يوماً ما بالنسبة لي هاجساً يحتاج إلى تفكير، لأنها كانت من الفطرة ومن عادتي العادية جداً لدرجة أنني لم أكن أفكر فيها، بل كنت أتصرف بنقاء وضمير مرتاح دون تردد أو حسابات معقدة.
ولم يكن هذا السلوك المترفع مجرد مجاملة عابرة أتكلفها في مواقف معينة دون غيرها، لأن الأخلاق هي جزء لا يتجزأ من طبعي وتربيتي التي نشأت عليها، ولم أشعر يوماً أنها قيد يمنعني من حريتي أو عبء ثقيل أحتاج إلى تقديم مبرراته للناس.
لكن حين صرت أتابع ما ينشر يومياً على منصات التواصل الاجتماعي، لاحظت بغرابة شديدة كيف يغيب هذا البعد الأخلاقي عن نقاشات بعض المنتسبين إلى الخطاب الديني، وكيف يتحول الفضاء الذي يُفترض فيه إشاعة الرحمة إلى ساحة مفتوحة للصراع والتراشق.
ويكفي أن نتذكر ما حدث مع الدكتور الفايد (بالمناسبة أنا لا أوافق مع جل أفكاره)، وكيف انهالت عليه حملات الشتم والتكفير والافتراء والتجريح الشخصي، دون أدنى مراعاة لحرمة الكلمة أو خلق الإسلام الرصين، وسار متابعوهم على نفس الطريق المظلم باستعمال كلمات تجرح المشاعر وتسيء للجميع وتفتقر إلى الحس الإنساني السليم.
وهنا يطرح السؤال نفسه بوضوح وجلاء: أين هي الأخلاق في كل ما يكتب ويقال على هذه المنصات؟ كيف تغيب عن الخطاب والسلوك اليومي، بينما القرآن الكريم والسنة النبوية يركزان بوضوح على أن حسن الخلق هو أصل التدين وروح الشريعة وجوهرها؟ فالشعائر العبادية من صلاة وصيام وزكاة ليست مجرد حركات ظاهرية أو أشكال مجردة، بل هي مدرسة روحية لتهذيب النفوس وتحسين المعاملة مع الخلق.
وتتجلى العناية بالجانب السلوكي في كون الأخلاق لا تنفصل عن جوهر الدين، بل هي الثمرة الحقيقية التي تُقاس بها قيمة العبادات وأثرها المباشر في واقع الحياة، فإذا لم تترجم هذه الشعائر إلى حسن معاملة في القول والعمل والتعامل مع الآخرين، فقدت معناها الجوهري، لأن وزن الإنسان ومكانته الحقيقية يتحددان بمدى نبل خلقه ونقاء تعامله وتواضعه مع الناس.
لهذا أجد نفسي اليوم حاسماً في الاقتناع بأن المعرفة والتدين لا قيمة لهما إذا خليا من الأخلاق. فالأفكار الحقيقية والعميقة لا تنتشر أبداً بالصراخ المرتفع أو الشتم أو التقليل من شأن الآخرين وازدرائهم، بل تصل إلى القلوب والعقول بالهدوء والإنصات والبحث النزيه عن الحقيقة، لأن اللجوء إلى التجريح الشخصي والتنمر ليس إلا دليلاً واضحاً على ضعف الحجة وقلة الحيلة وخلو الجراب من البرهان المنطقي السليم.
إن خطورة هذا النهج لا تقف عند حدود الملاسنات العابرة، بل تتعداها لتحدث شرخاً عميقاً في البنية التربوية والقيمية للمجتمع ككل.
فعندما يرى الناشئة والشباب أن رموز الفكر والخطاب المشهود لهم بالمعرفة يتوسلون بالشتم والتحقير لإثبات أفكارهم، ينشأ لديهم انطباع خاطئ بأن العنف اللفظي هو أداة البيان، وأن الغلبة هي المقياس الحقيقي لصحة الرأي.
وهكذا يتراجع منطق الاستدلال الهادئ لحساب منطق الغلبة والاستعراض الشكلي، مما يهدد بإفراغ المؤسسات التنويرية والتعليمية من رسالتها النبيلة في ترسيخ قيم الفكر الحر والنقد البناء.
ماذا كان سيحدث مثلاً لو غلب العقل والحوار الهادئ بين الدكتور الفايد ومخالفيه منذ البداية؟ ماذا لو استبدلنا لغة الإقصاء والتكفير بلغة الاحترام والبحث المخلص عن النقاط المشتركة والحلول العلمية؟ لو حدث ذلك، لاستفاد المجتمع ككل من نقاش علمي راقٍ يبني الفكر ويرسخ ثقافة الحوار، بدلاً من إهدار الطاقات الكبيرة في حروب كلامية وصراعات جانبية لا تسمن ولا تغني من جوع.
وماذا كان سيحدث لو تم التفاعل إيجابياً مع ما طرحته الصحفية سلوى فتوح؟ ماذا كان سيحدث لو غدا مقطعها المصور فرصة سانحة لتعميق النقاش الفقهي والقانوني والجمالي حول مسألة الصلاة في الشوارع والفضاءات العامة؟ لو انطلق التفكير من موقع الرزانة والبحث عن مقاصد الشريعة ورعاية المصلحة العظيمة، لتساءل الجميع بعمق: هل الصلاة مجرد استعراض عددي ومظهر يبتغي لفت الأنظار، أم إنها حقيقة إيمانية وخضوع جوهري يتطلب الخشوع والسكينة؟ وهل نحتاج اليوم إلى صلاة تقربنا من الله وتفيض بالرحمة على الناس، أم إلى مظهر يخيف عباد الله ويزعج السالكين في مقاصد عيشهم؟ وهل تبيح ضرورات الفرد أو تطلعاته الذاتية تغيير النظام العام للجماعة وإرباك حركتها بحجة مسألة ترتبط بالرغبة الفردية؟.
إن كبار الفلاسفة والمفكرين عبر التاريخ البشري أكدوا هذه المعاني الراسخة، فالمفكر الإنجليزي جون ستيوارت مل اعتبر الاستماع إلى الرأي المخالف شرطاً أساسياً للوصول إلى الحقيقة واختبارها وتطوير الفكر الإنساني، والمفكر طه عبد الرحمن يشدد دائماً على أن الحوار المعرفي لا ينجح ولا يثمر إلا بالتواضع والإنصات المتبادل، ليظل قبول الاختلاف هو المقياس الحقيقي لنضج العقول ورقي المجتمعات.
وحين كنت أعمل في ميدان التربية والتعليم لسنين طويلة، كثيراً ما أدى حواري البسيط والصادق مع التلميذات والتلاميذ إلى تغيير وجهة نظري في موضوع معين أو قضية كنت أظنها محسومة، لأن الإنصات الصادق لأفكارهم وانشغالاتهم كان يفتح أمامي زوايا جديدة للنظر لم أكن أنتبه إليها، ويعلمني يوماً بعد يوم أن المعرفة ليست ملكاً لأحد ولا احتكاراً لجهة، وأن العقل الذكي هو الذي يتحلى بشجاعة التواضع المستمر والتعلم المتبادل من الجميع.
تبقى العودة الصادقة إلى نبل الأخلاق وتواضع العقل هي الحل الوحيد والمسلك الآمن لترميم علاقاتنا الاجتماعية ونقاشاتنا الفكرية اليومية، فهل نملك جميعاً الجرأة والشجاعة الكافية لنراجع أنفسنا بشجاعة، ونتعلم من جديد كيف نتحدث ونستمع إلى بعضنا البعض باحترام ومحبة؟.




