أفريقياسياسة
أخر الأخبار

تقرير غوتيريش.. الحكم الذاتي في قلب التسوية والمرحلة الحاسمة تقترب – التفاصيل

التفاصيل تكشف انتقال الملف نحو هندسة حل تحت السيادة المغربية

يحمل تقرير الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بشأن الصحراء المغربية، المؤرخ في 1 أكتوبر 2026 والمدرج ضمن وثائق مجلس الأمن تحت المرجع S/2026/781، مؤشرات سياسية لافتة تتجاوز مجرد توصيف الوضع القائم، وتوحي بأن مسار معالجة النزاع بدأ ينتقل تدريجياً من مرحلة إدارة الجمود إلى مرحلة البحث في هندسة تسوية سياسية قابلة للتنفيذ.

ولعل أبرز ما يلفت في النسخة المتداولة من التقرير هو الحيز الذي بات يحتله مقترح الحكم الذاتي في النقاش الأممي، ليس باعتباره اتفاقاً تم التوصل إليه، وإنما باعتباره أساساً للتفاوض ضمن الإطار الذي حدده مجلس الأمن.

ويشير التقرير إلى أن المغرب قدم مشروع نظام أساسي للحكم الذاتي، وأن المقترح المغربي أصبح أساساً للنقاش، مع التأكيد في الوقت نفسه على أن الأمر يتعلق بأرضية تفاوضية وليس بتسوية نهائية.

وهنا تكمن أهمية التطور، فالمسألة لم تعد، وفق قراءة التقرير، مجرد طرح مغربي يقابله رفض من الطرف الآخر، بل أصبحت عناصر المقترح المغربي تدخل في صلب النقاش حول شكل التسوية السياسية الممكنة.

من المبادئ العامة إلى هندسة الحل

اللافت أيضاً أن النقاشات التي يرصدها التقرير لم تتوقف عند مستوى المبادئ السياسية، وإنما امتدت إلى عناصر عملية تتصل بما يمكن أن يبدو عليه الحل في حال التوصل إليه.

ومن بين هذه العناصر: مجلس انتقالي محتمل، وترتيبات تقاسم الموارد، والعفو والمصالحة، والأمن، ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، والأنظمة الانتخابية.

كما يتحدث التقرير عن عمل أممي ـ أمريكي على إعداد مشروع اتفاق إطار للمرحلة الانتقالية، وهو ما يعطي الانطباع بأن النقاش بدأ يلامس التفاصيل المؤسساتية والتنفيذية للتسوية، بعدما ظل لسنوات أسير المواقف السياسية العامة.

وفي هذا السياق، تكتسب الإشارة إلى مجلس انتقالي أهمية خاصة، بالنظر إلى أنها تتقاطع، من حيث المبدأ، مع ما سبق أن تضمنته المبادرة المغربية للحكم الذاتي، ولا سيما في البند 32.

كما أن الحديث عن استشارة سكان الإقليم يجد بدوره تقاطعاً مع ما ورد في البند 27 من المبادرة المغربية، التي تضع آليات لممارسة السكان لصلاحياتهم واختيار ممثليهم في إطار نظام الحكم الذاتي.

وبذلك، فإن المغرب، وفق هذه القراءة، لا يبدأ من فراغ في المرحلة الحالية، بل يدخل النقاش بأرضية سياسية ومؤسساتية سبق أن قدمها منذ سنوات، بينما يبدو أن النقاش الأممي الجديد يقترب من بعض عناصرها العملية.

الحكم الذاتي كصيغة لممارسة تقرير المصير

وهذا يعني أن مبادرة الحكم الذاتي هي صيغة من مبدأ تقرير المصير، بل إن التطور الأهم يتمثل في إعادة طرح كيفية ممارسة هذا المبدأ من خلال تسوية سياسية واقعية وقابلة للتنفيذ.

فالحكم الذاتي، في التصورات السياسية والقانونية المتداولة، يمكن أن يشكل إحدى صيغ ممارسة تقرير المصير من خلال تمكين السكان من تدبير شؤونهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية عبر مؤسسات منتخبة، ضمن إطار سيادة الدولة التي يتم الاتفاق عليها.

وفي الحالة المغربية، فإن المبادرة المطروحة تقوم تحديداً على حكم ذاتي واسع تحت السيادة المغربية، وهو الخيار الذي بات يحتل موقعاً مركزياً في إطار المفاوضات الحالية.

وفي هذا الإطار، ينقل التقرير عن المبعوث الشخصي للأمين العام، ستيفان دي ميستورا، تشديده على أن أي مقترح للحكم الذاتي ينبغي أن يستوفي أعلى المعايير الدولية، وأن الانتقال إلى حكم ذاتي حقيقي يحتاج إلى ضمانات دولية قوية، إلى جانب عملية تشاور ذات معنى مع السكان.

وهذه الصياغة تفتح الباب أمام مرحلة تفاوضية مختلفة: لم يعد السؤال فقط حول مبدأ الحكم الذاتي، وإنما حول مضمونه وحدوده وصلاحياته وضماناته وآليات تطبيقه.

بعبارة أخرى، قد يكون النقاش المقبل أقل ارتباطاً بتعدد التصورات النظرية للحل، وأكثر ارتباطاً بسؤال: أي حكم ذاتي؟ وبأي ضمانات؟ وتحت أي ترتيبات انتقالية؟.

هل يغلق الإطار الجديد الباب أمام مشروع الاستقلال؟

من الناحية السياسية، تكشف هندسة المسار الجديد عن تضييق واضح لمساحة الخيارات التي كانت تطرحها جبهة البوليساريو والجزائر، خصوصاً أن المفاوضات الحالية تنطلق من مقترح الحكم الذاتي المغربي كأساس للنقاش وفق القرار 2797، وليس من إعادة فتح جميع صيغ التسوية السابقة على قدم المساواة.

بالإضافة، فالنص نفسه يدعو إلى استكشاف إمكانية حكم ذاتي حقيقي باعتباره نتيجة يمكن أن تكون من أكثر النتائج قابلية للتطبيق.

لكن التطور السياسي الأبرز هو أن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أصبح محور الإطار التفاوضي القائم، وهو ما يضع مشروع الاستقلال الذي تروج له البوليساريو والجزائر خارج مركز العملية التفاوضية الحالية، و إقباره بشكل نهائي في ظل التحولات السياسية الجديدة.

البوليساريو.. من الاستقلال إلى التفاوض؟

في المقابل، يسجل التقرير استمرار حضور المقترح المرتبط بضمانات ما بعد التسوية الذي قدمته جبهة البوليساريو، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى مشاركتها المباشرة في النقاشات الجارية وتقديمها أفكارها ومقترحاتها الخاصة.

ومن هنا يمكن قراءة التحول السياسي الجاري باعتباره انتقالاً تدريجياً من التمسك الحصري بخيار الاستقلال إلى الانخراط في نقاش أوسع حول تسوية سياسية تفاوضية.

ولا يعني ذلك أن الجبهة أعلنت رسمياً التخلي عن مشروعها السياسي، لكن دخولها في نقاش تفصيلي داخل إطار تفاوضي يجعل الحكم الذاتي المغربي أساساً للمباحثات يغير طبيعة المعادلة ويجعل التسوية السياسية أكثر حضوراً في المشهد.

الجزائر وموريتانيا.. موقعان مختلفان في معادلة التسوية

أما الجزائر، فإن التطورات الأخيرة وخطاب الرئيس عبد المجيد تبون، بما في ذلك تصريحاته الأخيرة أمام الصحافة، يبدوان أقرب إلى دعم مسار تفاوضي لا يفضي إلى حل أحادي الجانب، مع حرص واضح على ألا يتحول ملف الصحراء المغربية إلى مشكلة مباشرة بالنسبة إلى الجزائر.

وفي الجهة الأخرى، تبدو موريتانيا معنية، إلى جانب المسار السياسي، بترتيباتها الحدودية والأمنية مع منطقة النزاع، الأمر الذي يجعل مصالحها الخاصة عاملاً لا يمكن فصله عن أي تسوية مستقبلية.

وبذلك، لا يبدو أن التفاوض يجري فقط بين طرفين، وإنما ضمن شبكة مصالح إقليمية ودولية واسعة، الأمر الذي يفسر الحاجة إلى ضمانات دولية وترتيبات انتقالية واضحة.

مبادرة «Go and See».. السكان أمام خيار الاطلاع

ومن المؤشرات اللافتة التي يتضمنها التقرير الحديث عن مبادرة «Go and See»، التي تتيح زيارات فردية وطوعية إلى العيون والداخلة للاطلاع على الأوضاع والآفاق المرتبطة بمقترح الحكم الذاتي.

وتكتسب هذه الخطوة دلالة سياسية بالنظر إلى تركيزها على المعلومة والاختيار والاطلاع المباشر، وهي عناصر يمكن أن تصبح أكثر أهمية كلما اقترب النقاش من مرحلة التشاور حول شكل التسوية ومضمونها.

المينورسو أمام مرحلة جديدة

ويعكس التقرير أيضاً تحولاً في النقاش حول مستقبل بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء “المينورسو”.

فمستقبل البعثة بات مرتبطاً بدرجة أكبر بمآل العملية السياسية، في وقت يقترح فيه التقرير تمديد ولايتها إلى 31 أكتوبر 2027، مع مراعاة تطورات المسار السياسي.

وهذا يعني أن الأمم المتحدة لا تتعامل، في المرحلة الحالية، مع البعثة باعتبارها مؤسسة منفصلة عن المسار السياسي، وإنما كجزء من ترتيبات قد تتغير وظائفها وفقاً لما ستؤول إليه المفاوضات.

من إدارة النزاع إلى هندسة التسوية

في المحصلة، لا يقول تقرير غوتيريش إن اتفاقاً نهائياً قد تم التوصل إليه، ولا يعلن حسم النزاع، كما أنه لا يلغي المواقف التي لا تزال تحملها جبهة البوليساريو.

لكن أهمية التقرير تكمن في شيء آخر: أنه يرصد انتقالاً واضحاً في طبيعة النقاش من إدارة النزاع إلى البحث في هندسة تسوية سياسية محتملة.

فالحكم الذاتي المغربي أصبح محوراً أساسياً في إطار التفاوض، بينما بدأت عناصر مثل المجلس الانتقالي، واستشارة السكان، والضمانات الدولية، وترتيبات الأمن والموارد والانتخابات، تدخل في النقاش حول كيفية تنفيذ أي تسوية مستقبلية.

ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن المغرب يدخل المرحلة الجديدة وهو يمتلك أرضية جاهزة للنقاش، بعدما قدم منذ سنوات مبادرة للحكم الذاتي تتضمن، من بين عناصرها، مؤسسات انتقالية وآليات لتمثيل السكان وممارسة صلاحيات واسعة داخل الإقليم.

أما تقرير الأمين العام، فيبدو في هذه المرحلة عنصراً توجيهياً لحامل القلم وللمفاوضات الجارية، قبل صياغة مشروع قرار مجلس الأمن المرتقب خلال أكتوبر.

ويبقى السؤال الأكبر الذي ستجيب عنه المرحلة المقبلة ليس فقط عن تنزيل الحكم الذاتي كحل أساسي، بل كيف ستتم صياغة مضمونه، وما حدود صلاحياته، ومن سيضمن تطبيقه، وكيف ستتم استشارة السكان، وما شكل المرحلة الانتقالية التي قد تقود إليه؟

وفي ضوء المعطيات الواردة في التقرير، يبدو أن النقاش الدولي يتحرك أكثر فأكثر نحو حل سياسي يقوم على حكم ذاتي واسع تحت السيادة المغربية، باعتباره الصيغة التي تتمحور حولها المفاوضات الحالية.

وهو ما قد يجعل المرحلة المقبلة حاسمة في تحويل المبادرة المغربية من أرضية تفاوضية إلى إطار عملي لتسوية النزاع بشكل نهائي.

https://anbaaexpress.ma/n7cpc

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى