مع اقتراب موعد اجتماع مجلس الأمن في 31 أكتوبر، تعود منطقة الكويرة المغربية إلى واجهة التداول الإعلامي، وسط روايات متباينة بشأن قوارب صيد موريتانية وسنغالية، وتساؤلات حول خلفيات توظيف هذه القضية في سياق إقليمي حساس.
مع اقتراب موعد اجتماع مجلس الأمن الدولي المرتقب في 31 أكتوبر الجاري، لمناقشة تطورات قضية الصحراء المغربية، عاد ملف الكويرة إلى واجهة الاهتمام الإعلامي، على خلفية أنباء متداولة بشأن تدخل دوريات تابعة للبحرية الملكية المغربية لإبعاد قوارب صيد موريتانية وسنغالية من المنطقة البحرية المقابلة لأقصى جنوب المملكة.
وتداولت منصات إعلامية وحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي محسوبة على النظام الجزائري وجبهة البوليساريو، روايات تتحدث عن اصطدامات وغرق قوارب خلال التدخل المزعوم، غير أن هذه الادعاءات لم تحظَ، حتى الآن، بتحقق مستقل يثبت وقوع تلك الحوادث أو يحدد حجم الأضرار المزعومة.
وفي المقابل، نقلت تقارير إعلامية عن مصادر قريبة من الملف أن عملية إبعاد القوارب جرت دون تسجيل حوادث، ما يجعل التمييز بين أصل الواقعة والتفاصيل المضافة إليها ضرورة أساسية في تناول الموضوع.
قرار مجلس الأمن.. رهان دبلوماسي يتجاوز الحملات الإعلامية
يأتي تداول هذه الأنباء في مرحلة دقيقة من المسار الأممي المتعلق بالصحراء المغربية، بعدما شكّل القرار 2797 محطة مهمة في تطور لغة مجلس الأمن بشأن التسوية السياسية، من خلال دعمه للمفاوضات على أساس المبادرة المغربية للحكم الذاتي.
ويمنح هذا التطور مقترح الحكم الذاتي مكانة مركزية في الإطار التفاوضي الأممي، في وقت يواصل فيه المغرب تحركاته الدبلوماسية الرامية إلى الدفاع عن وحدته الترابية وتقديم مبادرته باعتبارها أساساً واقعياً للتوصل إلى حل سياسي دائم.
ومع اقتراب الاستحقاق الجديد، تتجه الأنظار إلى الصيغة التي سيعتمدها مجلس الأمن في قراره المقبل، الذي تشير مسودته المتداولة إلى توجه نحو تعزيز مكانة الحكم الذاتي المغربي ومقترح التسوية الذي تقدمت به المملكة، إلى جانب تعديلات في لغة المفاوضات والمهام الموكولة إلى بعثة المينورسو، بما يصب في اتجاه تعزيز الموقف المغربي.
ومع ذلك، يظل الحسم في مآلات القرار رهيناً بالنص النهائي ومواقف أعضاء المجلس إلى حين اعتماده رسمياً.
من الواقعة البحرية إلى معركة الروايات
تطرح الأنباء المتداولة بشأن الكويرة سؤالاً يتجاوز تفاصيل التحرك البحري نفسه: كيف تتحول واقعة لم تتضح جميع ملابساتها إلى مادة لتبادل الاتهامات في منطقة تتقاطع فيها الحسابات السياسية والأمنية والاقتصادية؟.
ومن هنا، تبرز أهمية التحقق من المواد المتداولة، والتمييز بين التقارير الصحفية المستندة إلى مصادر محددة والمنشورات التي تكتفي بإعادة نشر مزاعم غير مؤكدة.
وفي هذا السياق، تثير الحملة الإعلامية المتداولة، التي تنسبها بعض القراءات إلى جهات جزائرية وأخرى محسوبة على جبهة البوليساريو، تساؤلات بشأن خلفياتها وأهدافها المحتملة، خصوصاً في ظل تزامنها مع موعد سياسي ودبلوماسي حساس.
ويبرز ضمن هذه التساؤلات احتمال توظيف الواقعة لإثارة التوتر بين المغرب وموريتانيا، والإساءة إلى العلاقات بين البلدين والشعبين الشقيقين.
موريتانيا والسنغال.. علاقات إقليمية لا ينبغي إخضاعها للشائعات
تكتسب القضية أهمية إضافية بالنظر إلى ارتباطها باسم موريتانيا والسنغال، وهما بلدان تربطهما بالمغرب مصالح وعلاقات إقليمية متعددة، تشمل التعاون الاقتصادي والأمني والبحري.
وفي هذا السياق، فإن تصوير أي تحرك بحري، قبل استكمال معطياته، باعتباره أزمة دبلوماسية أو مواجهة بين الدول، يمكن أن يسهم في تضخيم التوتر من دون أساس موثق.
كما أن الاتفاقات المنظمة للصيد بين موريتانيا والسنغال لا تعني تلقائياً أن جميع القوارب العاملة في المنطقة تتوفر على التراخيص اللازمة للصيد في كل مجال بحري، إذ يتوقف ذلك على الموقع الدقيق للنشاط البحري، والقواعد القانونية المعمول بها، والتصاريح ذات الصلة.
ومن ثم، فإن تحديد طبيعة المخالفة المحتملة، إن وجدت، يقتضي معطيات دقيقة بشأن موقع القوارب ووضعها القانوني، بعيداً عن الأحكام المسبقة والروايات التي لم تخضع للتحقق المستقل.
ويظل الحفاظ على قنوات التواصل بين الرباط ونواكشوط ودكار عاملاً أساسياً في تفادي تحويل الحوادث البحرية إلى أزمات سياسية، خصوصاً في منطقة تتطلب تنسيقاً مستمراً بشأن الصيد ومراقبة المجال البحري وحماية المصالح المشتركة.
وجدير بالذكر أنه لا يمكن فصل التفاعل الإعلامي مع قضية الصحراء المغربية عن التنافس الدبلوماسي القائم حول مستقبل التسوية السياسية لهذا النزاع الإقليمي.
فالمغرب يدافع عن مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها إطاراً للتوصل إلى تسوية سياسية في ظل سيادته على أقاليمه الجنوبية، فيما تظل المفاوضات الأممية محكومة بالنصوص والقرارات التي يعتمدها مجلس الأمن، والتي تحدد الإطار السياسي والدبلوماسي لمعالجة النزاع المفتعل.
أما على المستوى الإعلامي، فإن مسؤولية المنصات والصحف تقتضي عدم تحويل الأخبار غير المؤكدة إلى أدوات لتأجيج الخلافات بين الشعوب أو الإضرار بالعلاقات بين الدول.
ويشمل ذلك التحقق من الادعاءات المتعلقة بسقوط ضحايا أو غرق قوارب، لما تحمله من تبعات إنسانية وسياسية تتجاوز مجرد التداول الرقمي.
خلاصة القول
في انتظار اتضاح جميع تفاصيل ما جرى قبالة الكويرة، تبقى الأولوية للتحقق من طبيعة التدخل البحري والظروف القانونية المحيطة به، وفصل الوقائع المثبتة عن الادعاءات والاكاذيب.
ومع اقتراب اجتماع مجلس الأمن في 31 أكتوبر، يتضح أن قضية الصحراء المغربية تظل محط تنافس دبلوماسي وإعلامي، في وقت تبرز فيه أهمية التصدي للأخبار المضللة والتعامل بحذر مع الروايات التي قد تسهم في التشويش على مسار التسوية أو التأثير في الرأي العام.
ففي ظل هذه التطورات، لا تكون مواجهة التضليل بكثرة الاتهامات، بل بصلابة المعطيات، ووضوح الحجة، والقدرة على التمييز بين الخبر المؤكد والرواية التي لا تزال تنتظر الإثبات، بما يحفظ للمغرب حقه في الدفاع عن وحدته الترابية، ويصون علاقاته مع موريتانيا والسنغال وباقي الدول الإفريقية الشقيقة.




