يتنازع العالم المعاصر الممتد عبر تغيراته المتسارعة سؤال عميق يتعلق بنوعية الصلة التي تجمعه بالموروث العقدي، وكيف يمكن لهذه العلاقة أن تصون إنسانية الفرد وتمنح وجوده المعنى السامي بعيداً عن أشكال الوصاية والتعقيد والجمود التي تحاول إفراغ القيم الروحية من جوهرها الأخلاقي والوجداني، حيث أضحى البحث عن الدين الصافي بنقائه الأول مطلباً وجودياً يبتغي تحرير الإنسان من ضيق الأطر الشائعة التي تحصر الإيمان في القوالب الشكلية.
مما يطرح تحدياً حقيقياً يواجه كل من يطمح إلى التقريب بين متطلبات العقل السليم ونقاء الرسالة السماوية التي جاءت أساساً لخدمة الكرامة البشرية. كيف يتجلى الفارق الحاسم بين الدين في صفائه الأول وبين اجتهادات البشر التاريخية التي تحاول تقييده؟ وكيف يستطيع الفكر الحر أن يعيد للدين دوره الأصيل باعتباره رافعة للحرية والمسؤولية والأخلاق في الحياة اليومية؟
تبدأ أولى خطوات هذا التحرر الفكري عندما يدرك المرء أن المشكلة الحقيقية في واقعنا اليوم لا تكمن في الدين نفسه ولا في قيمِه السامية التي تدعو إلى الخير والرحمة، بل تكمن في طريق تقديم الخطاب الديني الشائع الذي يتحول غالباً من مصدر للطمأنينة إلى أداة للتضييق والسيطرة على عقول الناس في تفاصيل عيشهم، وهو ما يفرض علينا التمييز بوضوح بين الدين الصافي بنصوصه العالية، وبين أفكار البشر وشروحهم وتفسيراتهم التي كتبوها في أزمنة قديمة كاجتهاد إنساني مقدر يناسب عصرهم وحدود معرفتهم.
إذ لا يجوز رفع تلك الاجتهادات إلى مرتبة التقديس أو فرضها قسراً على واقع تغيرت ظروفه بالكامل، فتكمن الأزمة الحقيقية في تحويل الاجتهادات التاريخية المرتبطة بزمنها إلى أحكام مطلقة، مما يقطع صلة الدين بالحياة ويجعله حارساً لأشكال قديمة بدلاً من أن يكون محركاً للحرية والارتقاء الإنساني، وتتجلى هذه الأزمة في معالجة الشكليات على حساب الكليات، حيث يُختزل الدين في جزئيات الحروف والقيود الظاهرة، فيغيب المعنى الأخلاقي والروحي وتتحول العبادة والمعاملات إلى مجرد امتثال شكلي خالٍ من الأثر.
وهنا تتجلى الإشارة الذهبية التي تركها المفكر محمد العابد الجابري حين أكد على أن الشريعة لم تُبنَ على الحروف والظواهر، وإنما بُنيت على روح الغايات وابتغاء مصالح العباد، وأن الوقوف عند ظواهر النصوص دون نفوذ إلى جوهر غاياتها يؤدي إلى تعطيل الحكم وحجب الحكمة الفذة التي تنفع الناس.
وتتأزم الإشكالية أكثر حين يتحول الاحتكار التاريخي لفهم النصوص إلى سلطة معرفية مطلقة تحجب جوهر الرسالة، إذ تُنتزع التفاسير البشرية القديمة من شروطها الاجتماعية والثقافية التي وُلدت فيها لتُفرض كحقائق متسامية على الزمان، مما يُفضي مباشرة إلى تفاقم الفجوة بين تدين الشكل وتدين الجوهر، فيغدو التدين في واقعنا المعاصر مجرد طقوس مظاهرية وشكليات خارجية منفصلة عن القيم الإنسانية الجامعة كالعدالة والنزاهة والصدق، ويكتفي الفرد بامتثال شكلي لا ينعكس أثره على سلوكه اليومي ولا على بناء ضميره الأخلاقي.
وأمام هذا الانسداد الفكري، تبدو الحاجة ماسة إلى إرساء مفهوم العقلانية الروحية التي لا ترى في العقل نداً للإيمان أو تهديداً لنقائه، بل تعتبره شرطاً أساسياً لوجوده واكتماله، إذ لا يمكن للإيمان الواعي أن يتحقق إلا عبر عقل متفكر يملك الشجاعة الفكرية لاستيعاب تحولات الواقع وممارسة الاجتهاد المستمر الذي يحفظ للدين حيويته وقدرته على منح الوجود الإنساني معناه السامي.
وهذا التمسك الحرفي بالشكل على حساب الجوهر هو ما أوقع الخطاب المعاصر في جمود فكري يفرغ العبادات والمعاملات من أثرها الروحي، ونرى هذا الانفصال جلياً في مظاهر حياتنا اليومية، كمن يصر على إخراج زكاة الفطر طعاماً وحبوباً بدلاً من المال متمسكاً بظاهر النص التاريخي.
بينما الفقير اليوم يحتاج إلى المال لشراء كسوة لأطفاله أو سداد فواتيره، وبسبب هذا التجميد الشكلي يضطر الفقير لبيع الطعام بثمن بخس للحصول على سيولة مالية، فيتعطل الهدف الأساسي للزكاة وهو إغناءه وإدخال الفرحة على بيته، ونلمس هذا الاضطراب أيضاً في تحريم المعاملات البنكية والتأمينات جملة وتفصيلاً بأسقاط أحكام الربا الاستغلالي على مؤسسات تنظيمية تحفظ أموال الناس وتساعدهم على الادخار.
مثلما نراه في التردد في التبرع بالأعضاء بعد الموت لإنقاذ حياة مريض يواجه الهلاك بناء على أفكار قديمة كانت ترى في ذلك انتهاكاً للجسد دون التفات لفروض إحياء النفس، أو كمن يرفض الحساب الفلكي الدقيق في إثبات بدايات الشهور الهجرية ويصر على الرؤية البصرية التي تعوقها الغيوم، متناسيين أن الهدف هو التيسير ودقة العبادة.
إن التفكير الحر والواعي لا يعني ترك الدين أو التطاول على مقدساته، سواء بالاستهزاء بالرموز أو باحتكار الحقيقة والتحدث باسم الله للسيطرة على العقول وتبرير الظلم، بل يعني الاعتماد على العقل كأداة تكليف وتمييز يدرك بها الإنسان أن الدين جاء لحفظ حياته وكرامته وعرضه وماله، فتنشأ بينهما رابطة وجودية فريدة تختص بالكائن البشري وحده دون بقية الكائنات التي تعيش في حاضر محكوم بالغريزة والحاجة المباشرة.
ذلك أن الإنسان يختص بالدين لكونه يمتلك وعياً بزمانيته ومصيره وقدرة على التفكير والتسامي والحرية الأخلاقية التي تجعله مسؤولاً عن اختياراته، بينما يتجلى التدين الحقيقي في تحرير العقل وإيقاظ الضمير المستقل، وينقل الإنسان من حالة الامتثال الشكلي المحكوم بالخوف إلى مستوى الحرية والمسؤولية الفردية التي تجعل من الأخلاق اختياراً واعياً ودافعاً للارتقاء الإنساني.
فيبني الدين هذه الذات من خلال منح وجودها معنى سامياً يعصمها من الفراغ ويؤسس فيها ضميراً مستقلاً لا ينبع من الخوف من السلطة، وهو ما أشار إليه الفيلسوف إيمانويل كانط بتوضيحه أن الدين ليس مجرد امتثال لأوامر ونواهٍ صارمة تُفرض على الإنسان من الخارج، بل هو الشعور المتأصل بالواجب الأخلاقي الذي ينبع من داخل العقل والضمير.
غير أن هذا التحرر الروحي والأخلاقي الذي يحققه الإيمان الأصيل يصطدم بواقع الخطاب الديني المعاصر الذي يقف عاجزاً عن استيعاب هذه القوة التحررية بسبب هيمنة النزعة الحرفية التي تختزل الدين في سجل العقوبات والشكليات، والتوجس المستمر من الحرية، ورغبة بعض الجهات في فرض الوصاية واحتكار التوجيه والانفصال عن علوم العصر.
بينما تجلي الغاية الأسمى للدين في بناء الإنسان الصالح، ونشر قيم التسامح والعدالة، وإرساء التعايش السلمي والتضامن بين البشر على اختلاف أفكارهم، وحين نتضافر جميعاً لتجديد الخطاب وتخليصه من رواسب الانغلاق وتقديمه بلغة قريبة من الفطرة تسلك إلى العقل والقلب بيسر، يسترد الدين رسالته النبيلة كمصدر للإلهام وداعماً دائماً للعمل الصالح والحرية والكرامة الإنسانية، فهل يستطيع المجتمع المعاصر أن يتجاوز أوهام الهيمنة الفكرية والجمود ليجعل من الدين جسراً يربط بين نبل السماء وحرية الأرض؟.




