أفريقياسياسة
أخر الأخبار

هل تنجح القوى الليبية في تحويل الجنوب من ساحة للتنافس على الشرعية والنفوذ إلى نقطة انطلاق لإعادة بناء الدولة

حياة الغانمي

يضع الجنوب الليبي مستقبل المؤسسة العسكرية أمام اختبار بالغ الحساسية، إذ تتقاطع فيه السيطرة على الحدود مع حماية الحقول النفطية، وتتداخل فيه الشرعية السياسية مع النفوذ العسكري، في وقت لا يزال فيه التوافق الوطني حول قيادة الجيش وإدارة المناطق الاستراتيجية بعيداً عن الحسم.

وفي قراءة للمشهد، يرى ناصر عمار، آمر قوة الإسناد بعملية «بركان الغضب»، أن الجنوب لا ينبغي أن يبقى ورقة للمساومة أو ساحة للتنافس بين الشرق والغرب، بل يجب أن يكون جزءاً من استراتيجية وطنية موحدة تنهي التهميش وتحفظ السيادة.

واقع عسكري منقسم

بحسب تقديرات عمار، تفرض القيادة العامة بالرجمة نفوذاً ميدانياً واسعاً في أجزاء كبيرة من الجنوب، يشمل مناطق من فزان والجنوب الشرقي، إلى جانب قطاعات حدودية تتصل بالجزائر والنيجر وتشاد والسودان ومصر.

وفي المناطق الممتدة من الحدود الجزائرية إلى غات، يشير إلى انتشار وحدات لمراقبة المسالك الصحراوية ومكافحة التهريب وتأمين حقول النفط، ومنها الشرارة والفيل.

وفي الجنوب الشرقي، يبرز دور منطقة الكفرة العسكرية وتشكيلات مثل «سبل السلام» واللواء 128 في مراقبة المناطق المحاذية للحدود مع مصر والسودان وتشاد، في ظل التوترات المرتبطة بالأوضاع في السودان وتشاد.

ويعتبر عمار أن هذا الواقع يمنح القيادة العامة حضوراً عسكرياً مؤثراً في مناطق واسعة، ويجعل التحركات التي يقوم بها رئيس أركان القوات البرية صدام حفتر ذات دلالة تتجاوز المتابعة الميدانية إلى إظهار قدرة القيادة على الحفاظ على انتشارها.

رسائل صدام حفتر ومعنويات القوات

ويطرح عمار سؤالاً بشأن الدور المعنوي الذي يمارسه صدام حفتر لرفع مستوى التعبئة والجاهزية لدى القوات المرابطة في الثغور الجنوبية، خصوصاً في المناطق التي تتطلب مهامها استعداداً مستمراً وقدرة على التعامل مع المسالك الصحراوية الواسعة.

ويقرأ عمار الزيارات والمناورات التي أشار إلى حدوثها خلال اليومين الماضيين باعتبارها رسالة إلى الداخل والخارج مفادها أن القيادة العامة ترى نفسها صاحبة الحضور الميداني الفعلي في مساحات واسعة من الجنوب.

لكن هذه الرسائل تفتح في الوقت نفسه نقاشاً بشأن ما إذا كانت التحركات العسكرية قادرة على دفع مسار توحيد المؤسسة العسكرية، أم أنها ستظل انعكاساً لموازين القوة القائمة.

صدام حفتر يرفع مستوى التعبئة والجاهزية العسكرية

الشرعية والسيطرة.. عقدة الأزمة الليبية

في تقدير عمار، تتمثل إحدى أبرز معضلات الدولة في التباين بين الشرعية السياسية والمالية التي تتمتع بها السلطات الموجودة في طرابلس، وبين النفوذ العسكري الذي تتمتع به القيادة العامة في الشرق والجنوب.

فالمجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي يحمل صفة القائد الأعلى للجيش وفق الترتيبات السياسية، بينما تملك حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، الذي يتولى وزارة الدفاع، ووكيل الوزارة عبد السلام الزوبي، أدوات مالية وإدارية واسعة.

في المقابل، يرى عمار أن هذه السلطات لا تمتلك سيطرة ميدانية مباشرة مماثلة على المعابر الجنوبية، حيث تتمتع قوات القيادة العامة بنفوذ واسع.

ويثير عمار تساؤلات نقدية بشأن محدودية حضور السلطات في طرابلس في الجنوب، كما يربط النقاش بملف الصفقات المرتبطة بمشاريع مراقبة الحدود، وما يطرحه من شبهات تتعلق بالفساد والاختلاس، وهي مسائل تتطلب أدلة ووثائق مستقلة للحسم فيها.

غدامس والشويرف والحقول النفطية.. نقاط التنافس المحتملة

يشير عمار إلى تحركات سابقة لقوات تابعة لحكومة الوحدة الوطنية، من بينها اللواء 444 وتشكيلات من غرب ليبيا، نحو مناطق قريبة من الشويرف أو غدامس، معتبراً أن هذه التحركات قد تخلق نقاط تماس مع قوات القيادة العامة.

وتكتسب هذه المناطق أهمية بسبب موقعها الاستراتيجي، فيما تمثل الحقول النفطية وممرات الحدود عناصر إضافية في معادلة التنافس على النفوذ.

ومن هنا، يطرح عمار سؤالاً بشأن احتمال أن تؤدي الزيارات والاستعراضات والتحركات العسكرية إلى فرض أمر واقع جديد يوحد البلاد، أو أن يؤدي غياب التوافق السياسي إلى جولات جديدة من التوتر والصدام حول المنافذ والمواقع الحيوية.

هل يتحول الجنوب إلى نقطة انطلاق للتنمية؟

لا يقتصر مستقبل الجنوب، وفق الرؤية التي يعرضها عمار، على الصراع على القيادة والسيطرة، بل يتصل أيضاً بمصير المشاريع التنموية والاقتصادية الموعودة لسكان فزان.

فالسؤال المطروح هو ما إذا كانت هذه المشاريع ستتحول إلى واقع ملموس ينهي التهميش، أم ستبقى رهينة الانقسام والصراع على من يمثل الدولة ويقود جيشها.

ويؤكد عمار أن الجنوب بثرواته وعمقه الاستراتيجي يستحق استراتيجية وطنية موحدة، تتجاوز التقوقع والتجاذبات الضيقة، وتضمن استقراراً حقيقياً يحفظ السيادة ويعزز التنمية.

وفي المحصلة، فإن التحدي الليبي لا يكمن فقط في تحديد الطرف الأكثر نفوذاً في الجنوب، بل في بناء صيغة سياسية وعسكرية تسمح بتوحيد المؤسسات، وتضمن حماية الحدود والمنشآت النفطية، وتمنع تحول المناطق الاستراتيجية إلى بؤر صراع متكرر.

ويبقى السؤال الأهم: هل تنجح القوى الليبية في تحويل الجنوب من ساحة للتنافس على الشرعية والنفوذ إلى نقطة انطلاق لإعادة بناء الدولة، أم يستمر الانقسام في تعطيل أمن الإقليم وتنميته؟.

https://anbaaexpress.ma/9ml9a

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى