في مهرجان البندقية وقفت القاعة بأكملها تصفّق 25 دقيقة لفيلم وثائقي اسمه “نازا”، وهي مدة وُصفت بأنها قياسية في تاريخ المهرجان. وبعد يومين نال الفيلم جائزة لجنة التحكيم الخاصة. مدة الفيلم 80 دقيقة، لكن أثره في الداخل الإسرائيلي ممتد أطول بكثير.
العنوان نفسه كلمة عبرية بسيطة المظهر. “نازا” اختصار عبري لعبارة “الضرر الجانبي”. تبدو العبارة تقنية باردة، وفي هذه البرودة تكمن المسألة كلها، لأن الموت حين يصير بنداً في جدول لا يعود أحد مضطراً إلى تسميته موتاً.
صانعا الفيلم إسرائيليان هما يوفال أبراهام وراشيل تسور، وهما من مخرجي “لا أرض أخرى” الفائز بالأوسكار. جمعا شهادات 24 جندياً وضابطاً من الجيش والاستخبارات، بينهم عناصر من وحدة 8200، وسُجّلت الأصوات بتشويه والهويات بإخفاء.
ويذهب الفيلم إلى أن سقوط أعداد كبيرة من المدنيين كان يدخل بصورة روتينية في حساب قرارات القصف. أي أن المأساة، بحسب هذه الشهادات، لم تكن خللاً عارضاً، بل خانة تُملأ قبل أن تُطلق الغارة.
وتتداول بعض الملخصات أرقاماً مروّعة منسوبة إلى الشهادات، لم أتحقق منها بنفسي، ومن أراد الدقة فمرجعه الفيلم نفسه.
ثم جاء الرد، وفيه الجزء الأكثر دلالة. وصف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الفيلم بأنه يغذّي “التحريض المعادي للسامية عالمياً”، ووصفه في مقطع مصوّر بأنه “صادم”.
وطلب وزير الثقافة ميكي زوهار بحث تجريد المخرجين من جنسيتهما، ووصفهما وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير بأنهما “عار وخزي” ودعاهما إلى مغادرة البلاد. وأمر رئيس الأركان الجيش بدراسة إجراءات قانونية بشأن الفيلم.
وفي مدينة أسدود ظهرت جدارية رُسمت عليها وجوه المخرجين إلى جانب أهداف حمراء وكلمة “خونة”. وحين يُرسم على وجه مخرج هدف، تفهم أن الضجة لم تعد تدور حول فيلم.
وهنا تبدو التهمة غريبة. فالنقد القادم من أهل البيت يصعب ردّه بأنه حقد الغرباء، ولذلك يُعاد تصنيفه خيانة. وللمعترضين حجة لا تُهمل، فالجيش يرى أن مصادر الفيلم مجهولة ولا يمكن التحقق منها. وهو اعتراض مشروع في ذاته، لكنه لا يجيب عن السؤال المركزي: ماذا لو صحّ ما قيل؟.
أما المدافعون عن الفيلم فيرون في العاصفة نفسها دليلاً. فقد كتب جدعون ليفي (صحفي إسرائيلي في هآرتس، من أشد المنتقدين لسياسات بلاده) أن المجتمع المطمئن إلى استقامته لا يرتجف أمام فيلم. وفي المقابل يقول المنتقدون إن الشهادات المجهولة لا تصلح حجة، وإن توقيت العرض يخدم حملة على إسرائيل في الخارج. وتبقى الحجتان على الطاولة معاً.
وتكشف التفاصيل المحيطة بالفيلم شيئاً من المناخ الداخلي. فقد وقّع أكثر من 1642 مهنياً في السينما الإسرائيلية عريضة تدعم المخرجين وتتهم المسؤولين بحملة تحريض غير مسبوقة تقترب من تشريع العنف.
وقال أبراهام نفسه إن ثمة نية واضحة لمنع الحديث عن الجرائم المرتكبة. كما نقلت وسائل إعلام أن نتنياهو أعلن عزمه تقديم تشريع لسحب الجنسية ممن “يشوّهون سمعة جنود الجيش”. ويجري كل ذلك قبل انتخابات مقررة في 27 أكتوبر، فلا يمكن فصل الغضب عن حسابات الصندوق.
وأقرب ما يُستحضر هنا حنة أرندت (فيلسوفة سياسية ألمانية أمريكية، صاحبة عبارة “تفاهة الشر”)، التي رأت أن أخطر أنواع الأذى ينجزه موظفون عاديون يؤدون عملهم بلغة إدارية محايدة.
وأضاف زيغمونت باومان (عالم اجتماع بولندي بريطاني) أن البيروقراطية الحديثة تستطيع إبعاد الضمير عن الفعل بتوزيع المسؤولية على سلسلة طويلة من الأيدي، فلا يرى أحد الصورة كاملة. وكلمة “نازا” تؤدي هذه الوظيفة تماماً، فهي تحوّل السؤال الأخلاقي إلى سؤال حسابي.
أما أهمية الفيلم فلا تُقاس بطول التصفيق في البندقية. فالتصفيق يكلّف الجمهور القليل، وقد ينتهي حين يغادر القاعة. السؤال الأثقل هو الذي سيحمله الناس إلى بيوتهم: حين يتكلم الشاهد من الداخل، هل نسمعه أم نبحث عن اسمه لنعاقبه؟
وإذا صحّ أن من يعمل داخل المنظومة وقف وقال “رأيتُ”، فالدرس لا يخص طرفاً بعينه. فلكل مجتمع كلمته الباردة التي يسمّي بها ضحاياه، ولكل مجتمع أيضاً شاهدان أو ثلاثة يقرّرون في لحظة ما أن يكسروا الصمت.




