آراءدولي
أخر الأخبار

فرنسا.. ثورة الطلاب

لم تبدأ الأزمة الفرنسية من مقرّ حزب جان لوك ميلانشون، ولا من اجتماع سرّي لليسار الراديكالي كما توحي بعض روايات السلطة.

بدأت أمام مدارس تعاني نقص المدرسين، وصفوفاً مكتظة، ومبانٍ متداعية، وجداول دراسية يصفها التلامذة بالمرهقة. من ضواحي باريس انتقلت العدوى إلى مدن أخرى، ثم تحولت خلال أيام إلى حركة وطنية وضعت حكومة إيمانويل ماكرون أمام مشهد تعرفه فرنسا جيداً، الشارع يعود لاعباً سياسياً قبل أشهر من الانتخابات الرئاسية.

المفارقة أن أبطال المواجهة هذه المرة مراهقون، بعضهم في الرابعة عشرة والخامسة عشرة والسادسة عشرة. تقول كيسيا، وهي تلميذة في الخامسة عشرة من بانتان، لوكالة «رويترز»: «نحن 35 في الصف، وليس لدينا ما يكفي من الكراسي».

وتطالب الحركة بمدرسين أكثر، وصفوف أقل اكتظاظاً، ومدارس لائقة، وظروف تعليم أفضل. مشروع موازنة 2027 يزيد مخصصات التعليم بنحو 1.7 في المئة فقط، أي أقل من مستوى التضخم المتوقع، فيما تبلغ خدمة الدين 74.5 مليار يورو وتتجاوز موازنة التعليم المقدرة بنحو 65.5 ملياراً.

هنا يصبح السؤال عن مشروعية المطالب أقل تعقيداً، أصل الاحتجاج اجتماعي وتربوي حقيقي، بصرف النظر عمن يحاول لاحقاً ركوب موجته.

الحكومة اختارت قراءة مختلفة. وزير التربية إدوار جوفري تحدث عن انتقال الحركة إلى «العنف الحضري»، واتهم «فرنسا الأبية» بتأجيجها، فيما ذهب رئيس الحكومة سيباستيان لوكورنو إلى الحديث عن استغلال سياسي تقوم به قوى اليسار المتطرف.

الحرائق والاعتداءات على موظفين وعناصر أمن والتخريب الذي رافق بعض التحركات منح السلطة مادة قوية للدفاع عن روايتها. آلاف الاعتقالات، ومعظم الموقوفين من المراهقين، تكشف في المقابل حجم الأزمة أكثر مما تثبت وجود قيادة سياسية واحدة لها.

حتى الدليل الاستخباراتي الذي استندت إليه الحكومة يحتاج إلى قراءة حذرة. مذكرة استخبارات شرطة باريس رصدت وجود ناشطين من اليسار الراديكالي ونقابيين ونواب من «فرنسا الأبية» قرب بعض المدارس في سين-سان-دوني، لكنها تناولت نحو عشرين ثانوية في منطقة محددة، مقابل أكثر من ألف مؤسسة شهدت تحركات في أنحاء البلاد. وجود الحزب في الشارع ودعوته إلى توسيع الاحتجاج أمر موثق، أما القول إنه اخترع الحركة، وأدارها من غرفة عمليات، فلا تثبته العناصر المنشورة حتى الآن.

ميلانشون يدرك بدوره القيمة السياسية لهذه اللحظة. الشباب قاعدة انتخابية ثمينة له، ومشكلة «فرنسا الأبية» أن نسبة الامتناع عن التصويت مرتفعة عند هذه الفئة. لذلك يقف الحزب إلى جانب الطلاب، لكنه يحاول الفصل بين دعم مطالبهم والعنف.

ميلانشون رفض اتهامات الحكومة، ثم شدد على الاحتجاج المنضبط وغير العنيف. إنها معادلة انتخابية دقيقة، غضب الشباب قد يخدمه، وصور الحرائق قد تتحول إلى هدية مجانية لخصومه.

هنا تدخل مارين لوبن. زعيمة التجمع الوطني (اليمين المتطرف) لا تحتاج إلى تبني مطالب الطلاب، يكفيها تحويل المعركة من التعليم إلى الأمن.

قالت إن ما يجري لم يعد «احتجاجات طلابية»، بل «أعمال شغب منظمة»، وطالبت بقانون جديد ضد مثيري الشغب. كل سيارة محترقة وكل مواجهة مع الشرطة تنقل النقاش من نقص المدرسين إلى النظام والأمن، وهي الأرض السياسية التي يفضّل اليمين المتطرف خوض الانتخابات عليها.

الأكثر خطورة يبقى تعامل الشرطة مع قاصرين. منظمة العفو الدولية تحدثت عن استخدام غير متناسب للقوة، وطالبت بتعليق استخدام قاذفات الكرات الدفاعية LBD ضد الطلاب، فيما فتحت الشرطة الداخلية تحقيقات في إصابات خطيرة، بينها إصابة فتى في السادسة عشرة في عينه.

خلص أحد التقارير في قضية سابقة عام 2023 إلى أن رش الغاز المسيل للدموع من مسافة تقل عن متر على وجوه طلاب قاصرين شكّل استخداماً «غير ضروري وغير متناسب» للقوة. المسألة إذن ليست وليدة احتجاجات هذا الأسبوع.

ويبقى السؤال الأكثر حساسية: هل تسللت أفكار اليمين المتطرف إلى الشرطة؟ لا يجوز اتهام مؤسسة كاملة بذلك، لكن الأرقام تمنع تجاهل الظاهرة. دراسة أوردتها مؤسسة جان جوريس، استناداً إلى بيانات انتخابية بالشراكة مع «سيفيبوف»، أشارت إلى أن 58 في المئة من أفراد الشرطة والعسكريين كانوا يميلون عام 2024 إلى قوائم «اليمين الراديكالي»، فيما حصلت مارين لوبن وإريك زمور معاً على 44 في المئة من أصوات هذه الفئة في الجولة الأولى من رئاسيات 2022.

هذه الأرقام تثبت ميلاً انتخابياً قوياً، لكنها لا تثبت أن الشرطي الذي يستخدم العنف يفعل ذلك بدافع أيديولوجي. الخلط بين الأمرين سيكون استنتاجاً بلا دليل.

لماذا تنفجر فرنسا اجتماعياً قرب الاستحقاقات الكبرى؟ لأن الشارع في الجمهورية الخامسة ليس مجرد مكان للاعتراض، بل مؤسسة سياسية غير مكتوبة. من انتفاضة الطلاب ضد قانون العمل الأول عام 2006، التي أجبرت الحكومة على التراجع، إلى السترات الصفراء واحتجاجات التقاعد، ترسخت فكرة أن ما يعجز البرلمان عن وقفه يمكن للشارع أن يعطله.

وصف المؤرخون هذه الظاهرة بـ«الديمقراطية الاحتجاجية»: صندوق الاقتراع يمنح السلطة شرعيتها، الشارع يقوم باختبار مدى مشروعية هذه العملية بين فترتي الانتخابات.

لهذا لا يوجد مستفيد واحد من أزمة المدارس. ميلانشون يستفيد من تسييس جيل جديد، لوبن تستفيد من الخوف من الفوضى، والحكومة تحاول تحويل أزمة التعليم إلى قضية أمنية تستعيد عبرها صورة الدولة الحازمة.

الخاسر الوحيد قد يكون التلميذ نفسه. بدأ مطالباً بمدرس وكرسي وصف أقل اكتظاظاً، وانتهى مادة في معركة رئاسية بين اليسار والوسط واليمين المتطرف.

فرنسا لا تواجه ثورة مدرسية فحسب. إنها ترى في مرآة مدارسها أزمة أعمق، دولة مثقلة بالدين، خدمات عامة تتآكل، شباب يشعر بأن صوته لا يُسمع، وطبقة سياسية تستعد منذ الآن لمعركة 2027.

وبين تلميذ يحمل لافتة وشرطي يحمل هراوة، تُكتب أولى صفحات الانتخابات الرئاسية المقبلة في الشارع، قبل أن تُكتب في صناديق الاقتراع.

https://anbaaexpress.ma/c1hcd

شادي منصور

كاتب لبناني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى