لم تكن خطة إيواء النازحين التي أعلنها حزب الله تفصيلاً اجتماعياً عابراً. فحين ينجح الحزب، رغم الحرب والضغوط المالية والعسكرية، في إعداد برنامج لدعم العائلات المتضررة وتأمين احتياجاتها، فإنه يبعث برسالة تتجاوز المساعدات نفسها: لا تزال لديه قدرة على التنظيم والصمود واحتواء جانب من نتائج الحرب.
ويبدو أن هذه القدرة هي ما أعاد إشعال القلق لدى خصومه، في لبنان وخارجه، لأن المعركة لا تدور حول السلاح وحده، بل حول ما إذا كان الضغط العسكري والاقتصادي قادراً على إضعاف العلاقة بين المقاومة وبيئتها.
من هنا يمكن قراءة تصاعد الحديث عن مصادر التمويل، والتحقيقات المالية، والتحركات الأمنية والقضائية التي تزامنت مع بروز تفاصيل خطة الإيواء. فالمعلومات المتداولة تحدثت عن تدقيق في التحويلات وشركات الصرافة والبيوعات العقارية، وعن اهتمام أميركي متزايد بكيفية وصول الأموال إلى الحزب، وسط تقديرات متباينة بشأن حجم التمويل المتاح له. لكن السؤال الأهم ليس رقم الأموال وحده، بل ما إذا كانت هذه الإجراءات تُدار وفق قواعد قانونية عامة، أم أنها تتحول إلى وسيلة لمحاصرة قدرة الحزب على مساعدة النازحين والحفاظ على شبكته الاجتماعية.
وقد اتخذ التصعيد وبطلب أميركي مباشر، بُعداً أكثر حساسية مع قضية شاحنة ضهر البيدر. فبحسب ما أوردته المعلومات المتداولة، طُرح توسيع التحقيقات استناداً إلى ما قيل إنه ورد في إفادات الموقوفين، مع تداول إصدار استنابات قضائية بحق بعض المسؤولين في حزب الله، واكثر من ذلك طلب وزير العدل التابع لحزب الكتائب بتحويل الملف الى المجلس العدلي، وبالفعل امتثل الرئيس سلام وادرج الطلب على جدول اعمال مجلس الوزراء، ناكثًا بالعهد الذي قطعه على رئيس مجلس النواب بالتروي وعدم القيام بذلك، ولكن نتيجة الاتصالات المكثفة التي حصلت منذ امس ادت الى تأجيل تحويل هذه القضية الى المجلس العدلي بعد ان تبين للجميع ان هكذا خطوة ممكن ان تؤدي الى ما لا يحمد عقباه داخليًا.
كذلك، تحدثت المعلومات عن توجه نحو تنفيذ مداهمات لشقق ومستودعات في الضاحية الجنوبية وبيروت والبقاع والجنوب، وتوقيف أشخاص يُشتبه بارتباطهم بملفات نقل الأسلحة. ولا يعني تداول هذه السيناريوهات أن جميعها تحوّل إلى قرارات نافذة أو عمليات منفّذة؛ إذ أشارت المعطيات نفسها إلى اتصالات لاحتواء التصعيد، وإلى توضيح قضائي بأن المطلوب كان مواصلة التحقيق، لا إصدار أوامر بتوقيف أشخاص إضافيين.
غير أن مجرد طرح هذه الخيارات في مناخ سياسي وأمني مشحون يكشف خطورة المسار. فالمعلومات المتداولة ربطت التحركات اللبنانية بضغوط أميركية مباشرة تجاه الرئيسين عون – سلام تدفع نحو إجراءات عملية ضد حزب الله، بالتوازي مع مطالب تتصل بنزع سلاحه وتوسيع التنسيق العسكري مع إسرائيل.
وإذا كانت هناك مخالفات محددة، فإن معالجتها يجب أن تتم عبر القضاء وبأدلة واضحة وإجراءات متساوية على الجميع. أما تحويل التحقيقات إلى اختبار سياسي، أو تكليف الجيش والأجهزة الأمنية بخطوات تُفهم محاولة لفرض مواجهة، فيضع المؤسسات أمام مسؤولية شديدة الحساسية.
وتحدثت المعلومات أيضاً عن اتصالات قام بها حزب الله مع الجهات المعنية محذرًا من مغبة تنفيذ مداهمات بالقوة أو اعتقال مسؤولين حزبيين في ظروف قد تقود إلى صدام داخلي، وعن تأكيده أنه سيرد على مثل هذه الخطوات باعتبارها اعتداءً مباشراً.
وسواء اتفق المرء مع هذا الموقف أم اختلف، فإن الرسالة المتبادلة تكشف أن أي تحرك ميداني لن يبقى بالضرورة ضمن حدود إجراء أمني عادي. وقد يجد الجيش نفسه عندها في مواجهة أزمة لا تتصل فقط بتطبيق القانون، بل أيضاً بتماسك المؤسسة العسكرية والسلم الأهلي.
المشكلة الأوسع أن الضغط لا يتوقف عند الملاحقات الأمنية. فالتدقيق في الأموال والتحويلات والعقارات قد يمسّ أيضاً عائلات تعتمد على تحويلات المغتربين لتأمين معيشتها، ولا سيما في المناطق التي تضررت من الحرب والنزوح.
ومن حق الدولة مكافحة المخالفات المالية، لكن ذلك لا يبرر استهداف فئة بعينها أو التعامل مع الانتماء السياسي أو الطائفي بوصفه قرينة اشتباه. فالقانون الذي يُطبّق بانتقائية يفقد جزءاً من شرعيته، ويزيد شعور الناس بأنهم مستهدفون لا محميون.
في تقديري، تكشف خطة الإيواء جانباً من معركة أوسع على القدرة على الصمود بعد الحرب. فخصوم حزب الله قد يرون في استمرار قدرته على دعم بيئته عقبة أمام الرهان على إنهاكه، لكن محاولة معالجة هذه المسألة عبر تضييق مالي أو تصعيد أمني قد تنتج احتقاناً أشد، بدلاً من تحقيق الاستقرار الذي تقول السلطة إنها تسعى إليه.
كما أن تلبية المطالب الأميركية من دون تقدير عواقبها اللبنانية قد تضع الدولة في مواجهة مكوّن أساسي من المجتمع، فيما تستمر الاعتداءات الإسرائيلية وتبقى أسئلة السيادة والأمن بلا أجوبة متوازنة.
المطلوب ليس تعطيل القانون ولا إعفاء أي طرف من المساءلة، بل منع استخدام الملفات القضائية والأمنية لتوسيع الصراع السياسي. فحين تتحول خطة لمساعدة النازحين إلى مناسبة لفتح جبهات مالية وأمنية متزامنة، يصبح السؤال الحقيقي: هل تسعى السلطة إلى احتواء آثار الحرب، أم يجري دفعها إلى معركة داخلية جديدة؟ إن أخطر ما يمكن أن يحدث للبنان هو أن تتحول الخلافات على السلاح والتمويل إلى صدام بين اللبنانيين، فتُستكمل في الداخل حرب لم تنتهِ تداعياتها بعد.
