آراء
أخر الأخبار

النشرة البرلمانية: السلطة أمام امتحان الكرامة

داخل البرلمان، كان للهواء وقاره الخاص. يستقر فوق المقاعد الوثيرة، ويلامس الخشب المصقول، ثم يمر بين الوجوه كأنه يعرف مراتب الجالسين.

الضوء موزع بعناية، والأصوات تنتظر دورها، فيما يبدو الزمن أقل استعجالا مما هو عليه وراء الجدران. هناك، في المسافة بين المنبر والصفوف، يقف الوطن بكامل ثقله: تاريخا يطالب بالوفاء، وحاضرا ينتظر الإنصاف، ومستقبلا يحاول أن يجد لنفسه مقعدا.

ثم يأتي الخطاب الملكي، فيعيد إلى الكلمات وزنها الأول. الاعتزاز بالوطن مسؤولية، والشباب أصحاب حق في الفرصة، والجهات تنتظر انتقال القرار إليها، والانتداب البرلماني تعاقد أخلاقي مع المواطنين.

تتجمع هذه المعاني فوق القاعة كغيوم تحمل ماء كثيرا. غير أن الأرض تعرف، بخبرتها الطويلة، أن الغيمة قد تعبر حقلا عطشان دون أن تترك فيه قطرة. والمسافة بين سماع الواجب وأدائه هي المكان الذي تبدأ فيه محنة السياسة.

عند باب البرلمان، تتبدل النشرة الجوية. يخرج الكلام من دفء القاعة إلى هواء الشارع، حيث تختلط رائحة العادم بغبار الخطوات، ويستعيد الزمن أسنانه.

تعبر السيارات، تتراجع الوجوه عن الشاشات، ويعود البائع إلى حساب يومه. الوطن هنا يمشي على قدمين متعبتين، ويحمل كيسا خفيفا، ويسأل عن ثمن الخبز قبل أن يسأل عن اتجاه الريح. وكل عبارة تخرج من المبنى تحتاج إلى عنوان كي تصل.

في هذا الطقس، يمكن أن ترى شابا يضم شهادته إلى صدره، كأن الورقة آخر ما تبقى له من دفء سنوات الدراسة. ينظر إلى الأبواب التي يعرف أسماءها، ولا يعرف كيف تفتح.

يسمع حديث الفرص، فيرفع رأسه قليلا، ثم يعيده إلى هاتفه. البطالة تطيل المسافة بين الإنسان وصورته عن نفسه؛ تجعله غريبا عن عمره، وتعلمه أن يعتذر عن حاجاته قبل أن يطلبها. فالانتظار حين يطول يتحول إلى حياة كاملة، تتآكل فيها الأحلام بهدوء، ولا يظهر خرابها في نشرات المساء.

وعند باب مستشفى، تختصر امرأة معنى الدولة في موعد. لا تشغلها خرائط النمو حين يتأخر علاج طفلها؛ فالخوف يجعل المستقبل صغيرا، بحجم غرفة ينتظر فيها طبيبا.

بالنسبة إليها، لكل ساعة حرارة، ولكل تأجيل برد يسري في العظم. وهكذا يتوزع الزمن بين الناس: وقت واسع لمن يملك الاختيار، ووقت ضيق لمن تتوقف حياته على توقيع أو اتصال أو مقعد شاغر.

أما في الممرات السياسية، فقد تهب رياح أخرى. تحمل أسماء الحقائب، وتغير اتجاهها مع كل باب يفتح. وحين يستغرق ترتيب المقاعد أكثر مما يستغرق التفكير في الجالسين خارجها، تتشكل غيوم كثيفة من الكلام.

يصبح الخطر أن يكتفي المسؤول بقراءة النشرة، مطمئنا إلى سلامة صوته، بينما تتسرب المياه إلى البيوت التي يفترض أن يحميها. فالسلطة التي تتقن وصف العاصفة مطالبة بإصلاح السقف.

هنا يبدأ السؤال الفلسفي للسياسة: ماذا يفعل الإنسان بالقوة التي وضعت بين يديه؟ المقعد امتحان لعلاقته بضعف الآخرين، والقرار يكشف مقدار ما يرى من الحياة وراء مكتبه.

يستطيع أن يختصر انتظارا، أو يضيف إليه سنة؛ أن يفتح طريقا، أو يحول الحاجة إلى متاهة. وفي كل اختيار يترك أثرا على كرامة شخص قد لا يعرف اسمه، لكنه يملك سلطة تغيير يومه.

والعدالة تحتاج إلى قنوات توصل الماء إلى أبعد الحقول. انتقال الصلاحيات والموارد إلى الجهات يمنح الكلمات أقداما تمشي بها نحو القرى والمدن المنسية.

هناك يصير الإصلاح طريقا تسلكه سيارة الإسعاف، وفصلا يبقى فيه المعلم، ومرفقا يستقبل المواطن دون أن يطلب منه العودة إلى مركز بعيد. عندها تتغير حرارة العلاقة بين الناس ومؤسساتهم، وتجد الثقة ما يسندها في التجربة.

مع ذلك، يبقى الأمل عملا يحتاج إلى حراسة. يحرسه مواطن يسأل، وصحافة تتتبع، وبرلمان يستعيد صلته بمن منحوه أصواتهم.

فالتصفيق ينتهي في القاعة، أما المسؤولية فتبدأ رحلتها حين ينفض المجلس. وكل صباح يأتي معه اختبار جديد للكلمات التي قيلت تحت القبة.

وفي المساء، يمكن أن تعود امرأة إلى بيتها، فتضع إناء تحت شق في السقف. يتساقط الماء، قطرة بعد أخرى، كساعة تحصي ما لم يصل بعد. على شاشة صغيرة، يتكرر الخطاب.

تنظر إلى السقف، ثم إلى الإناء. تلك هي النشرة الجوية الأخيرة: سيقاس صفاء السماء، بعد البرلمان، بعدد البيوت التي تستطيع النوم دون أن تخاف المطر.

https://anbaaexpress.ma/kp81x

منير لكماني

مهندس مدني خبير في الإنشاءات والطاقة كاتب مغربي من ألمانيا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى