عقب تكليف جلالة الملك محمد السادس للسيدة فاطمة الزهراء بصفتها القيادة الحزبية المتصدرة لانتخابات 23 سبتمبر 2026 بتشكيل الحكومة، طبقاً لمقتضيات الفصل 47 من الدستور، يدخل المشهد السياسي المغربي مرحلة جديدة لا يكفي فيها جمع المقاعد وتوزيع الحقائب، بل يصبح فيها معيار النجاح الحقيقي هو القدرة على بناء أغلبية منسجمة وقادرة على تحمل مسؤولية التدبير.
فالحكومة المقبلة لن تكون مطالبة فقط بتأمين أغلبيتها العددية داخل البرلمان، وإنما بتشكيل أغلبية سياسية متماسكة، قادرة على تمرير القوانين والميزانيات وتنفيذ البرنامج الحكومي بعيداً عن منطق الصراعات الداخلية والمساومات التي تستنزف الزمن السياسي وتؤخر الاستجابة لانتظارات المواطنين.
وفي هذا السياق، سيكون البرنامج الانتخابي للحزب المتصدر أمام امتحان حقيقي. فالوعود التي قدمت للناخبين لم تكن مجرد شعارات انتخابية عابرة، بل شكلت جزءاً من التعاقد السياسي الذي منح على أساسه المواطنون ثقتهم.
صحيح أن تحويل البرنامج الانتخابي إلى برنامج حكومي يقتضي التوافق بين مختلف مكونات الأغلبية، لكن أرضية التوافق تبدو ممكنة، خصوصاً أن أغلب الأحزاب رفعت، بدرجات متفاوتة، العناوين الاجتماعية والاقتصادية نفسها: تحسين مستوى المعيشة، خلق فرص الشغل، وتطوير قطاعات الصحة والتعليم.
غير أن الاختبار الأصعب قد يكون داخل الأغلبية نفسها. فظاهرة (المعارضة من داخل الأغلبية) تظل واحدة من أكثر الممارسات التي تضعف الانسجام الحكومي، حين يجمع الفاعل السياسي بين مسؤولية المشاركة في القرار والاستفادة من موقع السلطة، وبين تقديم نفسه في الوقت ذاته كطرف معارض لنتائج ذلك القرار.
وفي الجهة المقابلة، لا ينبغي أن تتحول المعارضة إلى مجرد رفض دائم أو سباق نحو إسقاط الحكومة. فالمعارضة الديمقراطية ليست تعطيل المؤسسات، وإنما مساءلة الحكومة، وكشف مكامن الخلل، واقتراح البدائل، والدفاع عن مصالح المواطنين.
إن المغرب اليوم في حاجة إلى تدبير سياسي يضع المصلحة العامة فوق الحسابات الحزبية الضيقة. فإسقاط الحكومات وإعادة الانتخابات ليست غاية في حد ذاتها، كما أن استمرارها لا ينبغي أن يكون شيكاً على بياض. المعيار الحقيقي هو قدرة المؤسسات على الإنجاز والاستجابة للمواطن.
وفي النهاية، تظل الشجاعة السياسية في الاعتراف بالخطوات الإيجابية وتثمينها، حتى عندما تصدر عن الخصم السياسي، جزءاً من النضج الديمقراطي.
فالمواطن لا يعنيه كثيراً من رفع شعار المبادرة، بقدر ما يعنيه أن تتحول المبادرات إلى نتائج ملموسة تحسن حياته وتحفظ ثقته في المؤسسات.




