حين ننتقل إلى “كتاب الأغاني”، نجد أنفسنا يا سادتي أمام الكتاب نفسه (السر في انشغال العرب بالأعضاء التناسلية؟!) الذي استدعاه فوزي في نصه دليلا آخر على الصورة التي يريد رسمها للتراث العربي، منتقيا منه ما يخدم فكرته، تاركا وراءه ما هو أوسع وأعمق من تلك الصورة.
نعم، في الكتاب أخبار كثيرة عن العشق والمجون والخمر والعلاقات الجنسية. وهذا جزء من مادته بالفعل. بيد أنّ مرجع “الأغاني” في الوقت نفسه كتاب ضخم في الشعر والموسيقى وأخبار الشعراء والمغنين والأدباء وأحوال المجتمع والثقافة.
إنه من أضخم المؤلفات الأدبية في القرن الرابع الهجري، ولا يمكن أن نحوله إلى “كتاب جنس” لأنه ينطوي على صفحات عن الجنس، كما لا يمكن أن نسميه كتاب خمر لأن فيه أخبارا عن الخمر.
ثم تأتي دعوى أخرى: أن “الأغاني” مقرر على جميع طلبة الجامعات العربية. وهذه يا سادتي حكاية تحتاج إلى دليل واسع لا إلى جملة عابرة.
الكتاب معروف، واسع الانتشار، حاضر في المكتبات والبحوث الجامعية، وموضوع للدراسة في جامعات مختلفة، لكن تعميم القول بأنه مقرر على جميع طلبة الجامعات العربية. ومن هنا نعرج إلى قضية الباحث أحمد زويل.
المقارنة بين الثعالبي وزويل من أجمل أجزاء النص من الناحية الساخرة، لكنها لا تصمد كثيرا أمام التاريخ. يقول الكاتب، في معنى كلامه، إن زويل لو بقي في جامعة عين شمس، لربما انشغل بالبحث عن اسم جديد لغرمول الحمار بدلا من أن يصل إلى الفيمتوثانية.
الصورة ساخرة، ولا شك أنها تصلح لجذب القارئ، لكن زويل نفسه يكذب هذه النكتة بمجرد النظر إلى سيرته العلمية. فزويل درس في مصر، ثم واصل دراسته في الولايات المتحدة، وحصل على الدكتوراه من جامعة بنسلفانيا، وعمل في بيركلي، ثم انتقل إلى معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، حيث أصبح أحد أبرز علماء الكيمياء الفيزيائية.
وفي عام 1999 حصل منفردا على جائزة نوبل في الكيمياء عن أبحاثه في دراسة المراحل الانتقالية للتفاعلات الكيميائية باستخدام مطيافية الفيمتوثانية.
والفيمتوثانية ليست مجرد كلمة علمية غريبة يمكن وضعها في مواجهة “غرمول الحمار”. إنها جزء من ثورة علمية أتاحت للعلماء دراسة حركة الذرات والجزيئات أثناء التفاعلات الكيميائية في أزمنة بالغة القصر، وأسهمت في نشوء ما يعرف بالفيمتوكيمياء.
لكن المفارقة الحقيقية هنا ليست في غرمول الحمار ولا في الفيمتوثانية.
المفارقة أن الثعالبي وزويل لا يقف أحدهما ضد الآخر.
الثعالبي كان يعمل في زمانه، وزويل عمل في زمانه.
الأول حفظ اللغة، والثاني اقترب من أسرار المادة. الأول كان يسأل: ما اسم هذا؟ وما الفرق بين هذا وذاك؟ والثاني كان يسأل: ماذا يحدث للذرة والجزيء في جزء بالغ الصغر من الزمن؟
لم يكن الثعالبي منافسا لزويل، ولم يكن زويل بحاجة إلى أن يهدم الثعالبي كي يصنع علمه.
المشكلة ليست في أن يعرف الإنسان اسم “براز الإنسان” أو “بعر البعير”.
إنّ الإشكالية تبدأ عندما يتوقف الإنسان عند الاسم ولا ينتقل إلى المعرفة.
وهنا، في رأيي، تقع مشكلتنا الحقيقية مع التراث.
نحن كثيرا ما نقرأه بعينين متناقضتين: عين تقدسه فلا ترى فيه إلا المجد، وعين تحتقره فلا ترى فيه إلا ما يثير السخرية.
وكلاهما يخطئ.
فالتراث ليس قديسا ولا مجرما.
إنه ذاكرة بشرية.
وفي هذه الذاكرة شعر رفيع ومجون فاضح، وفلسفة عميقة وخرافة، وطب متقدم بالنسبة إلى عصره وأوهام طبية، فقه وسياسة، حب وحرب، تصوف وشك، علم وجهل.
وهذا ما يجعله تراثا بشريا، لا نصا منزها عن النقد ولا كتلة واحدة يمكن اختصارها في عنوان واحد.
ولذلك فإن الدفاع عن التراث بإخفاء ما فيه من غرابة أو فحش ليس دفاعا عنه، كما أن الهجوم عليه باقتطاع أكثر صفحاته إثارة ليس نقدا علميا له.
الطريق الأصعب، وربما الأصدق، أن نقرأ كل شيء كما هو.
أن نقبل يا سادتي أن في كتبنا ما يبهج، وما يحرج، وما يثير الدهشة، وما يستحق النقد. وأن نفرق بين المعجم والمجتمع، وبين تسجيل الظاهرة وتمجيدها، وبين وجود النص وحقيقة الحياة التي عاشها الناس.
فهل كانت في الثقافة العربية القديمة نصوص كثيرة في الغزل والجنس والمجون؟
نعم.
وهل توجد في المعاجم العربية القديمة ثروة هائلة من الألفاظ الخاصة بالجسد والحيوان والنكاح والإخراج؟
نعم.
وهل هذا يثبت أن “تاريخنا كله جنس وغلمان”؟
لا.
وهل يثبت أن العرب “الأمة الوحيدة في الكرة الأرضية” التي عرفت هذه الثروة المعجمية؟
لا دليل على ذلك.
وهل كتاب “الأغاني” كتاب جنس؟
لا.
وهل ثبت أنه مقرر في جميع الجامعات العربية؟
لم أجد ما يثبت هذه الدعوى العامة.
وهل أحمد زويل يمثل نموذجا لعربي هرب من “معجم غرمول الحمار” إلى العلم؟
هذه نكتة صحفية لا حقيقة تاريخية.
ولعل أجمل ما يمكن أن نخرج به من هذه الحكاية كلها هو أن اللغة لا تلام على ما حفظته، كما أن المعجم لا يلام على ما ورثه.
المعجم أمين الذاكرة.
وقد تكون الذاكرة جميلة، وقد تكون قبيحة، وقد تكون ساخرة، وقد تكون مؤلمة.
لكن وظيفتنا ليست أن نحطم المرآة لأنها أظهرت وجها لا يعجبنا.
وظيفتنا أن ننظر فيها طويلا، ثم نسأل:
كيف صار هذا الوجه هكذا؟
هناك يبدأ العلم.
وهناك فقط يبدأ نقد التراث الحقيقي.
أما أن نختار من ألف صفحة عشرين سطرا عن النكاح، ثم نقول: “هذا هو تاريخنا كله”، فذلك ليس كشفا للحقيقة.
إنه فقط اختيار للزاوية التي نريد أن نرى منها الحقيقة.
والتراث، في النهاية، أوسع من أكثر صفحاته غرابة، وأعمق من أكثر كلماته إثارة.
من يقرأه كله، يرى إنسانا.
ومن يقتطع منه ما يشاء، لا يرى إلا صورته التي جاء يبحث عنها.




