يطرح البرنامج الحكومي للولاية 2026–2031 مجموعة من الوعود والأهداف التي ترسم ملامح المرحلة المقبلة، من خلال رهانات اقتصادية واجتماعية ومؤسساتية تسعى إلى الاستجابة لانتظارات المواطنين وتعزيز موقع المغرب في محيطه الإقليمي والدولي.
غير أن قراءة هذا المشروع لا ينبغي أن تتوقف عند الأرقام والمؤشرات، بل يتعين أن تمتد إلى طبيعة الرؤية السياسية والتنموية التي تؤطره، وإلى الأسئلة الكبرى التي يثيرها بشأن مستقبل الدولة والمجتمع.
فالبرنامج، وفق النص المعروض، يقدم سبع أولويات رئيسية تشكل الإطار العام لتوجهاته:
أولًا: ترسيخ دولة الحق والقانون، من خلال تعزيز الثقة في المؤسسات، وتكريس المساواة أمام القانون، وتحسين أداء الإدارة، وتقوية ضمانات الحقوق والحريات.
ثانيًا: محاربة الفساد والريع، عبر تعزيز الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتحسين تدبير المال العام، وضمان تكافؤ الفرص في الولوج إلى الاستثمار والخدمات.
ثالثًا: حماية الهوية الوطنية وتعزيز التماسك المجتمعي، بما يضمن صون الثوابت الوطنية، وترسيخ قيم المواطنة والتضامن، والتفاعل الإيجابي مع التحولات الاجتماعية والثقافية.
رابعًا: تعزيز الدولة الاجتماعية، من خلال تطوير خدمات الصحة والتعليم، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وتحسين ظروف العيش، وتوجيه الدعم إلى الفئات المستحقة.
خامسًا: إدماج الشباب في التنمية، عبر تحسين فرص التشغيل والتكوين، وتيسير الولوج إلى المبادرة الاقتصادية، وتعزيز مشاركة الشباب في الحياة العامة وصناعة القرار.
سادسًا: تعزيز السيادة الاستراتيجية والإشعاع الدولي للمغرب، من خلال تقوية الأمن المائي والطاقي والغذائي، وتنويع الشراكات الاقتصادية، وتثبيت مكانة المملكة في محيطها الإقليمي والدولي.
سابعًا: بناء اقتصاد قوي وتنافسي، عبر تحفيز الاستثمار، ودعم المقاولات، وتطوير الإنتاجية، وخلق فرص الشغل، وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.
تعكس هذه الأولويات، في مجملها، انشغالًا بقضايا التنمية والاستقرار الاجتماعي والتنافسية الاقتصادية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل تكفي هذه العناوين، مهما كانت أهميتها، لتقديم تصور متكامل لمستقبل المغرب، أم أن المرحلة المقبلة تستدعي وضوحًا أكبر بشأن بعض الأوراش الاستراتيجية التي تتجاوز التدبير القطاعي؟.
هنا تبرز أهمية الجهوية المتقدمة، باعتبارها رافعة لإعادة توزيع فرص التنمية وتعزيز دور الجهات في اتخاذ القرار، وهو ورش تطرق إليه صاحب الجلالة في خطابه أمام البرلمان خلال افتتاح السنة التشريعية.
فنجاح هذا الورش لا يرتبط فقط بوجود مؤسسات جهوية منتخبة، بل بمدى تمكينها من الموارد والاختصاصات، وتعزيز قدرتها على صياغة مشاريع تستجيب للخصوصيات المحلية وتحد من الفوارق بين المجالات الترابية.
ومن ثم، يبرز سؤال جوهري حول موقع الجهوية المتقدمة في الرؤية الحكومية: هل هناك تصور عملي لتسريع نقل الاختصاصات، وتحسين التمويل الجهوي، وتعزيز التكامل بين الدولة والجهات، بما يجعل التنمية أكثر توازنًا ونجاعة؟.
أما الملف الثاني، فيتعلق بالحكم الذاتي وقضية الصحراء المغربية، بما يحمله هذا الموضوع من أبعاد وطنية ودبلوماسية ومؤسساتية وتنموية.
فإلى جانب مواصلة الجهود الدبلوماسية للمملكة، تظل الحاجة قائمة إلى نقاش واضح حول الأبعاد التنموية والمؤسساتية والمجالية المرتبطة بمستقبل الأقاليم الجنوبية، وكيفية تعزيز اندماجها في دينامية التنمية الوطنية، في إطار الثوابت الوطنية والتوجهات الرسمية للمغرب.
واللافت في البرنامج، وفق النص المعروض، هو عدم التطرق بشكل صريح ومفصل إلى هذين الورشين “الجهوية المتقدمة والحكم الذاتي”، رغم أهميتهما الاستراتيجية في النقاش المتعلق بمستقبل النموذج التنموي والمؤسساتي للمملكة.
وهو ما يطرح تساؤلًا مشروعًا حول مدى حضور هذه القضايا في التصور الحكومي للمرحلة المقبلة، وكيفية ربط الأولويات الاقتصادية والاجتماعية بالتحولات المؤسساتية والمجالية الكبرى.
إن القراءة النقدية للبرنامج الحكومي تقتضي، لذلك، عدم الاكتفاء بتعداد الأولويات السبع أو الوقوف عند الأهداف الرقمية، بل البحث في مدى ترابطها ضمن رؤية استراتيجية واحدة.
فمحاربة الفساد، مثلًا، ترتبط بفعالية الاستثمار، وإدماج الشباب يتطلب تعليمًا وتكوينًا قادرين على الاستجابة لحاجيات الاقتصاد، والدولة الاجتماعية تحتاج إلى موارد مستدامة، أما الجهوية المتقدمة فتتطلب انسجامًا بين الاختصاصات والتمويل والمسؤولية.
وبالمثل، فإن السيادة الاستراتيجية لا تُقاس فقط بتطوير الطاقات المتجددة أو تحلية مياه البحر أو تعزيز الأمن الغذائي، بل أيضًا بقدرة المؤسسات على التخطيط بعيد المدى، وتعبئة الموارد، وتقييم النتائج، وتكييف السياسات مع التحولات الإقليمية والدولية.
جدير بالذكر، يقدم البرنامج الحكومي سبع أولويات تستحق النقاش والتقييم، لكنه يثير، في الوقت نفسه، تساؤلات بشأن مدى اكتمال الرؤية الاستراتيجية التي تجمع بينها، خصوصًا في ظل عدم التطرق الصريح إلى الجهوية المتقدمة والحكم الذاتي ضمن النص المعروض.
فبين طموح الأرقام ومتطلبات الإصلاح، وبين التنمية القطاعية والتحولات المؤسساتية الكبرى، تظل الحاجة قائمة إلى تصور أكثر وضوحًا يربط بين الأولويات الاجتماعية والاقتصادية وبين الملفات الاستراتيجية التي ترسم ملامح مستقبل البلاد.
فالمعيار الحقيقي لأي برنامج حكومي ليس عدد أولوياته، بل قدرته على تحويلها إلى مشروع متكامل، قابل للتنفيذ والمساءلة، يستجيب لانتظارات المجتمع ويستحضر، في الوقت ذاته، الأسئلة الاستراتيجية الكبرى للمغرب.
لهذا فهي دعوة إلى قراءة البرنامج الحكومي ليس فقط من زاوية ما يتضمنه من التزامات، بل أيضًا من زاوية ما لم يتناوله صراحة، وما يستدعيه ذلك من نقاش عمومي مسؤول حول الجهوية المتقدمة والحكم الذاتي ومستقبل التنمية والمؤسسات بالمملكة.





مقال وقف على مضامين وجب الالتفات اليها لأهميتها و خاصة الجهوية و الحكم الذاتي ، اما الاولويات السبع فتبقى رهان يحتاج لارادة و عزم و تظافر جهود و سرعة في التنفيذ و إلا اصبحت مجرد ارقام و شعارات كما عشنا ذلك من قبل تحياتي