في قراءة عسكرية واستراتيجية للتحولات المتسارعة التي تشهدها منطقة شمال إفريقيا، تناول عثمان بنطالب، الناشط الحقوقي الدولي والخبير في الشأن المغاربي والمدير العام لأنباء إكسبريس، خلال مداخلته في برنامج «شؤون عسكرية» على وكالة «سبوتنيك» الروسية، الذي يقدمه محمد جمعة بمشاركة خبراء في المجال العسكري، التقارير المتداولة بشأن المفاوضات المحتملة لاقتناء المغرب منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية «مقلاع داوود»، مسلطاً الضوء على أبعادها العسكرية والاستراتيجية وانعكاساتها المحتملة على التوازنات الإقليمية.
وتأتي هذه المداخلة في سياق النقاش المتواصل بشأن مستقبل التسلح في المنطقة المغاربية، والتحولات التي تعرفها الشراكات الدفاعية، والرهانات المرتبطة بامتلاك التكنولوجيا وتطوير القدرات الصناعية الوطنية.
حيث أوضح بنطالب أن اقتناء هذه المنظومة، في حال تأكد رسمياً، من شأنه أن يشكل خطوة إضافية في مسار تحديث القوات المسلحة الملكية وتعزيز قدراتها الدفاعية، بالنظر إلى الإمكانات التي توفرها المنظومة في مجال اعتراض مجموعة من التهديدات الصاروخية والجوية.
واعتبر أن أهميتها المحتملة تكمن في تعزيز منظومة الدفاع الجوي متعددة الطبقات، بما يواكب التطورات المتسارعة في طبيعة الحروب الحديثة، التي باتت تعتمد بشكل متزايد على الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة والقدرات الهجومية المتطورة.
وفي هذا السياق، أبرز بنطالب أن القيمة العسكرية لأي منظومة دفاعية جديدة لا ترتبط فقط بقدراتها التقنية، بل كذلك بمدى قدرتها على الاندماج مع الرادارات ومراكز القيادة والسيطرة وبقية مكونات الدفاع الجوي، بما يتيح تحسين الرصد والتعامل مع التهديدات المختلفة.
وشدد على أن بناء شبكة دفاعية متكاملة يمثل أحد العناصر الأساسية لتعزيز الردع وحماية المنشآت الحيوية والسيادة الوطنية.
وعلى مستوى التوازنات المغاربية، تطرق بنطالب إلى الانعكاسات المحتملة لهذه الخطوة على الحسابات العسكرية في المنطقة، في ظل استمرار التوتر بين المغرب والجزائر وتنامي الاهتمام بتطوير القدرات الدفاعية.
غير أنه اعتبر أن تقييم تأثير أي صفقة محتملة ينبغي أن يستند إلى نظرة شاملة لمختلف عناصر القوة العسكرية، بما فيها الجاهزية والتدريب والتكنولوجيا والقدرة على توظيف المنظومات بكفاءة، وليس إلى اقتناء سلاح بعينه.
كما ناقش أبعاد التعاون الدفاعي بين المغرب وإسرائيل، وحدود الدور الأمريكي في هذا المسار، بالنظر إلى التعاون الأمريكي الإسرائيلي في تطوير منظومة «مقلاع داوود».
وفي هذا الإطار، أكد أن وجود مكونات وتكنولوجيا أمريكية في المنظومة لا يكفي وحده للجزم بوجود ضوء أخضر سياسي أمريكي شامل لتعزيز الدور الإسرائيلي في شمال إفريقيا، مبرزاً ضرورة التمييز بين المعطيات التقنية والاعتبارات السياسية المرتبطة بأي صفقة محتملة.
مداخلة عثمان بنطالب عبر «سبوتنيك» الروسية
التصنيع الدفاعي الوطني وتنويع الشراكات
ولم تقتصر قراءة بنطالب على الجوانب المرتبطة باقتناء المنظومات العسكرية، بل امتدت إلى الرهانات الاستراتيجية المرتبطة بتطوير الصناعة الدفاعية المغربية.
وأبرز أهمية توجه المغرب نحو بناء قاعدة صناعية دفاعية وطنية، وتعزيز قدراته في مجال تصنيع التجهيزات والمنظومات العسكرية، بالتوازي مع الانفتاح على تعدد الشركاء والشركات الدفاعية الدولية.
واعتبر أن تنويع مصادر التسلح والانفتاح على التجارب التكنولوجية المختلفة يمكن أن يسهما في نقل الخبرات وتطوير الكفاءات الوطنية، بما يعزز تدريجياً الاستقلالية الدفاعية للمملكة.
كما أن الرهان، وفق هذه المقاربة، لا ينبغي أن يقتصر على اقتناء أحدث الأسلحة، بل أن يشمل تطوير القدرات الصناعية والتكنولوجية التي تسمح للمغرب بتعزيز موقعه في مجال الصناعات الدفاعية.
هل تتجه المنطقة نحو «ناتو مصغر»؟
وفي ما يتعلق بإمكانية تطور التعاون العسكري المغربي الإسرائيلي إلى تحالف إقليمي واسع، استبعد بنطالب اعتبار أي تعاون في مجال التسليح، في حد ذاته، مؤشراً على قيام «ناتو مصغر» في شمال إفريقيا.
وأوضح أن تأسيس حلف عسكري يتطلب التزامات دفاعية مشتركة وآليات مؤسساتية واضحة، تتجاوز الاتفاقات المتعلقة باقتناء الأسلحة أو تبادل الخبرات والتكنولوجيا.
وشدد على أن السياسة الدفاعية المغربية تظل مرتبطة بالمصالح الوطنية للمملكة، وبنهج تنويع الشراكات العسكرية والانفتاح على شركاء دوليين متعددين، بما يخدم متطلبات الأمن الوطني ويحافظ على هامش القرار الاستراتيجي المستقل.
وفي ختام قراءته، أكد بنطالب أن أي تقييم للتطورات المرتبطة بمنظومة «مقلاع داوود» ينبغي أن يظل مرتبطاً بالمعطيات المؤكدة، مشيراً إلى أن التقارير المتداولة بشأن المفاوضات لا تعني، في حد ذاتها، الإعلان الرسمي عن إبرام الصفقة.
وخلص إلى أن تعزيز القدرات الدفاعية المغربية ينبغي أن يُقرأ في إطار تحديث القوات المسلحة الملكية، وتقوية الردع، وتطوير الصناعة الدفاعية الوطنية، مع الحفاظ على التوازن الاستراتيجي والاستقرار الإقليمي.




