عاد ملف ترسيم الحدود والمجالات البحرية بين المغرب وإسبانيا إلى الواجهة السياسية في مدريد، بعد أن تبنت لجنة الجماعات ذاتية الحكم في مجلس الشيوخ الإسباني مبادرة تدعو الحكومة إلى إعادة تحريك المفاوضات مع الرباط، بهدف التوصل إلى تفاهم بشأن المناطق البحرية التي لم تُحسم حدودها بشكل نهائي بين البلدين.
وتكتسي الخطوة أهمية سياسية بالنظر إلى أن الملف يرتبط بتداخل المطالب البحرية في محيط جزر الكناري، وبعدد من القضايا القانونية والاستراتيجية التي ظلت عالقة منذ سنوات.
كما أن المبادرة الإسبانية تربط بين استئناف المفاوضات وإشراك حكومة جزر الكناري في المسار التفاوضي، في محاولة لإعطاء الأرخبيل دورا مباشرا في ملف تعتبر سلطاته المحلية أنه يمس مصالحه وحقوقه البحرية.
وجاءت المبادرة في شكل مقترح غير تشريعي تقدم به خافيير أرماس، البرلماني عن التجمع المستقل لجزيرة إل هييرو، وحظي بتأييد الحزب الشعبي والحزب القومي الباسكي، في حين عارضه الحزب الاشتراكي.
ولا تنطوي المصادقة عليه على أي أثر قانوني مباشر يتعلق بتغيير الحدود البحرية، لكنها تمثل دعوة سياسية واضحة إلى الحكومة الإسبانية من أجل إعادة فتح الملف مع المغرب، إلى جانب إطلاع المؤسسات المعنية في إسبانيا وجزر الكناري على مسار المفاوضات.
ضغط على الحكومة لكشف وضع المفاوضات
ولا يقتصر المقترح على المطالبة باستئناف اجتماعات مجموعة العمل المشتركة بين مدريد والرباط، بل يتضمن أيضا طلبا بتقديم تقرير مفصل حول وضع المفاوضات.
وبحسب المبادرة، يتعين على الحكومة الإسبانية، في غضون ثلاثة أشهر، إبلاغ مجلسي النواب والشيوخ وحكومة جزر الكناري بمستجدات أعمال ترسيم المجالات البحرية مع المغرب، ومدى مشاركة حكومة الأرخبيل في هذه العملية، إضافة إلى تحديد الملفات التي ما تزال عالقة والخطوات التي تعتزم مدريد اتخاذها مستقبلا.
وتشدد المبادرة في الوقت نفسه على مراعاة مقتضيات السرية التي قد تحيط بالمفاوضات، ما يعني أن الهدف لا يتمثل بالضرورة في نشر تفاصيل المباحثات، بقدر ما يتعلق بإجبار الحكومة على تقديم صورة مؤسساتية عن المرحلة التي بلغها المسار التفاوضي والأسباب التي حالت دون الوصول إلى اتفاق نهائي.
ويكشف ذلك عن رغبة داخل مجلس الشيوخ في نقل ملف الترسيم من دائرة الاتصالات الحكومية المحدودة إلى مستوى أكبر من النقاش السياسي والمؤسساتي، خصوصا في ظل اهتمام جزر الكناري بتحديد وضع المجالات البحرية المحيطة بها.
مصالح الكناري في قلب المبادرة
وتقدم المبادرة الإسبانية نفسها باعتبارها وسيلة لحماية ما تصفه بـ”الحقوق السيادية لإسبانيا” في المياه التابعة لجزر الكناري. غير أن اللافت في مضمونها هو أن الآلية المقترحة لتحقيق هذا الهدف تمر تحديدا عبر الحوار مع المغرب، وليس من خلال إجراء إسباني أحادي الجانب.
فالمبادرة لا تمنح مدريد أي خط حدودي جديد، ولا تحسم وضع المناطق البحرية التي تتداخل فيها المصالح أو المطالب، وإنما تطالب الحكومة بالعودة إلى طاولة التفاوض مع الرباط، مع إشراك حكومة الكناري في العملية.
وتبرز هنا طبيعة الملف الذي لا يمكن حسمه بمجرد قرار داخلي إسباني، نظرا إلى ارتباطه بالمجالات البحرية المقابلة للسواحل المغربية وجزر الكناري، وبالقواعد الدولية المتعلقة بترسيم الحدود البحرية بين الدول ذات السواحل المتقابلة أو المتجاورة.
ومن هذا المنظور، فإن حضور حكومة الكناري في المفاوضات يضيف بعدا إسبانيا داخليا إلى ملف ذي طبيعة ثنائية ودولية في الوقت نفسه، إذ تحاول السلطات المحلية في الأرخبيل ضمان حضورها عندما يتعلق الأمر بتحديد مستقبل المجالات البحرية المحيطة بالجزر.
جذور الملف تعود إلى الأمم المتحدة
وتعود خلفية الخلاف حول بعض المجالات البحرية إلى سنوات، عندما أقدمت إسبانيا في دجنبر 2014 على إيداع ملف جزئي لدى لجنة حدود الجرف القاري التابعة للأمم المتحدة، يتعلق بطلب تمديد جرفها القاري إلى ما وراء مسافة 200 ميل بحري غرب جزر الكناري.
وأثار الطلب الإسباني تفاعلا من الجانب المغربي، الذي وجه خلال سنة 2015 مراسلتين إلى اللجنة الأممية بشأن الملف الإسباني، في سياق تأكيد الرباط على مصالحها وحقوقها في المجالات البحرية المعنية.
وتكتسي الوثائق المتبادلة في هذا الإطار أهمية قانونية، إلا أن الأمم المتحدة أوضحت أن نشر الطلبات والمراسلات المقدمة إلى لجنة حدود الجرف القاري لا يعني اتخاذ المنظمة موقفا مسبقا بشأن الوضع القانوني للمناطق المعنية، كما لا يشكل في حد ذاته ترسيما للحدود البحرية بين الدول.
وبالتالي، فإن إيداع الملفات لدى الأمم المتحدة لا يعني أن الحدود المتنازع أو المتداخلة قد حُسمت، بل يمثل جزءا من المسار القانوني الدولي الذي يمكن أن تستند إليه الدول في عرض مطالبها المتعلقة بالجرف القاري.
الرباط لا تغلق باب التفاوض
وفي المقابل، لا يبدو أن إعادة طرح الملف في المؤسسات الإسبانية تأتي في مواجهة موقف مغربي يرفض الحوار من حيث المبدأ. فقد سبق لوزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، أن أكد أن قضايا ترسيم المجالات البحرية بين المغرب وإسبانيا ينبغي أن تعالج من خلال التفاوض بين البلدين.
ويعني ذلك أن الدعوة الإسبانية الجديدة إلى إعادة تفعيل مجموعة العمل المشتركة لا تفتح بالضرورة مسارا جديدا بالكامل، وإنما تسعى إلى إعادة إطلاق مسار ثنائي لم يتمكن حتى الآن من الوصول إلى تسوية نهائية.
كما أن هذا البعد التفاوضي يكتسي أهمية خاصة بالنظر إلى حساسية الحدود البحرية في المنطقة، حيث تتقاطع الاعتبارات القانونية مع المصالح الاقتصادية والاستراتيجية، بما في ذلك الموارد البحرية، والمجالات المرتبطة بالطاقة، والممرات البحرية، إضافة إلى الموقع الجيوسياسي لجزر الكناري وقربها من الساحل المغربي.
ملف قانوني وسياسي يتجاوز الكناري
ويحمل التطور الأخير داخل مجلس الشيوخ الإسباني دلالة تتجاوز مجرد مطالبة حكومة مدريد بإشراك سلطات الكناري. فهو يعيد التأكيد، من داخل المؤسسة التشريعية الإسبانية، على أن أي تقدم في ملف ترسيم المجالات البحرية المتداخلة مع المغرب لن يتم عبر خطوة أحادية، وإنما يحتاج إلى تفاهم ثنائي.
فالمبادرة، رغم صياغتها في إطار الدفاع عن المصالح الإسبانية ومصالح جزر الكناري، تنتهي عمليا إلى النتيجة نفسها: إعادة المغرب إلى طاولة المفاوضات باعتباره الطرف المقابل الذي لا يمكن تجاوز دوره في أي تسوية نهائية.
كما أن مطالبة الحكومة بتقديم تقرير إلى البرلمان وحكومة الكناري تكشف عن رغبة في معرفة ما إذا كانت الاتصالات الثنائية قد حققت تقدما فعليا، وما هي النقاط التي ما تزال تحول دون إغلاق الملف.
وبذلك، فإن عودة الحدود البحرية إلى النقاش السياسي الإسباني لا تعني قرب التوصل إلى اتفاق، كما لا تعني وجود قرار جديد بشأن خطوط الترسيم. لكنها تؤشر إلى محاولة مدريد إعادة تحريك ملف ظل عالقا، وسط إدراك متزايد بأن حسمه يمر عبر التفاوض مع الرباط، مع مراعاة المصالح الإسبانية الداخلية، وفي مقدمتها مصالح جزر الكناري.
و تبدو المبادرة أقرب إلى ممارسة ضغط سياسي على الحكومة الإسبانية لإعادة تفعيل المسار التفاوضي، أكثر من كونها خطوة لترسيم الحدود بحد ذاتها.
فالخطوط البحرية لم تتغير، والمناطق المتداخلة لم تُحسم، بينما عاد السؤال الأساسي إلى الواجهة: كيف يمكن لمدريد والرباط تحويل المفاوضات القائمة إلى اتفاق نهائي يحدد المجالات البحرية بين البلدين وفق القانون الدولي، وبما يأخذ في الاعتبار المصالح المتبادلة وحساسية المنطقة؟




