آراء
أخر الأخبار

أسبقية البيضة للدجاجة ؟ السؤال الأزلي هل تم حله؟

هكذا نقل لي الخبر محب متتبع لما أكتب، فقال: “أثار البروفيسور البريطاني جون بروكفيلد حفيظة التيار الإسلامي، بإعلانه حل اللغز الذي حير البشرية عن أسبقية البيضة للدجاجة، مستنداً إلى أن المكونات الوراثية لا تتطور خلال حياة الكائن. ما رأيك يا دكتور؟”.

ثم عقب بقوله عن الذيول الفلسفية لهذا الفتح المبين بزعمه، وهو ليس بجديد: “سيثبت ذلك أموراً كثيرة؛ فتسبق الصدفة الغاية، ويسبق النسبي المطلق، وتسبق الذات الآخر، ويسبق الفرد المجتمع، وأنا ومن بعدي الطوفان، ويسبق العدم الوجود، وتسبق الطاقة المادة، وتسبق الروح الجسد.

فليس الجسد إلا امتداداً للروح، ويصبح التاريخ تاريخ الأفراد، وليس تاريخ الظروف والشعوب، ويسبق الألم اللذة، والانعزال يسبق الاختلاط، والجهل يسبق العلم، والشر يسبق الخير، والأنانية تسبق الحب، والفجاجة تسبق الاتزان، والعاطفة تسبق العقل، والخطأ يسبق الصواب، وكل ما هو سلبي سيسبق ما هو إيجابي، فالسطحية تسبق العمق، والمحدودية تسبق الاتساع، والعادة تسبق التجديد، ليكون الأصل طرف الثنائية السلبي، الذي يحمل كل المعاني السلبية.

لذلك كان كل ما هو جميل وراقٍ صعب المنال وبعيد.

وإذا كان هذا الاستنتاج صحيحاً، فهل يمكن العيش بلا طرف الثنائية الآخر؟.

أشك في ذلك، فالإنسان خلق ثلاثياً، تستمر حياته بين الثنائية، فكما أن الكون سيموت يوماً؛ فهو إلى حد كبير سيولد من جديد، ليختصر الوجود في عملية الاستمرار، والشاطر من حجز مقعده في الخلود، وإن كان نسبياً، فكل ما هو خالد سينتهي يوماً ويولد من جديد، فليس هناك إلا الاستمرار.. الاستمرار وكفى”.

وفي الواقع، يجب الاعتراف للأخ أنه على وعي مميز، وعمق فلسفي يهنأ عليه، مع أنه عسكري، ولكنه أقرب إلى الفيلسوف من السلاح، وليس له من العسكرية إلا الرتبة والراتب، وهو أقرب إلى المفكرين الكبار، الذين ينتظرهم مستقبل فكري واعد، هذا إذا تابعوا رحلة الكدح والبناء المعرفي! إذا تابعوا؟ لأن المشكلة عند كل الناس إلا قليلاً هي المتابعة والتراكم والحذف والنمو، ولا يقتل الفطنة مثل البطنة، ولا أعظم من رذيلة النوم والغباء والرذيلة، في محو محاسن العقل، وليس شيء يغتال الحكمة والنمو العقلي مثل الكسل والاجترار والغرور.

وبتأمل الجمل السابقة نرى أن بعض الجمل تلتمع، وبعضها يعرج يكاد يسقط إعياء، فالبروفسور بروكفيلد لم يأت بشيء جديد ليخرج بخلاصة فلسفية أنثروبولوجية عظمى؛ وحسب العلم الذي أماط اللثام عن تطور الكائنات، فهو يقرر أن عديدات الخلايا بدأت رحلتها منذ حوالي 530 مليون سنة، وهذا يعني أن الكائنات تشكلت على نحو ما وتطورت خلال الزمن وأعادت تكرار نفسها من خلال النواة والحب والبيضة.

والصدفة ليس لها مكان في العالم بل سنة الله، ولن تجد لسنة الله تبديلاً وتحويلاً. ولا وجود للذات بدون الآخر، ولم يتشكل الإنسان بدون مجتمع. ومن يقول أنا ومن بعدي الطوفان لا يفقه في علم الاجتماع مثقال حبة من خردل.

ولا يسبق العدم الوجود، فالعدم لا يأت إلا بالعدم، والأصل هو الوجود وليس العدم. والطاقة والمادة وجهان لحقيقة واحدة، وليس هناك من طاقة بدون مادة وبالعكس. والتاريخ هو تفاعل الفرد مع المجتمع والزمن. ولا تسبق اللذة الألم، وليس في العالم مكان للشر حسب الفيلسوف إبكتيتوس.

ولن يسبق السلبي الإيجابي بحال، والقرآن يعلمنا أنه لم يخلق الكون عبثاً ولا نحن سدى بل بالحق وأجل مسمى.

صحيح أن الوصول للجمال والحق صعب، ولكن هذا هو التحدي الإنساني في رحلة كماله إلى الله، ولكل نبأ مستقر وسوف تعلمون.

وبذلك نصل إلى تخريفات البروفسور المذكور وأنه متطفل على العلم وأنه من أجهل الجاهلين وممن ضل وأضل عن كثير الله بمن فيهم العسكري الهمام الذي راسلني.

وحسب دراسات علم النفس فليس أغبى من الجنرالات ولكنهم من قاد إلى الحروب والجنون.

https://anbaaexpress.ma/5rf6c

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى