مجتمع
أخر الأخبار

مذكرة ترافعية موجهة إلى الأحزاب قبيل انتخابات 23 شتنبر.. «وصل الإيداع حق دستوري وليس ترخيصاً مقنّعاً»

الجمعيات تطالب الأحزاب بالتعهد بحماية حرية تأسيس الجمعيات وجعلها التزاماً سياسياً قابلاً للتتبع

توصلت أنباء إكسبريس، بنسخة من مذكرة ترافعية موجهة إلى الأحزاب السياسية المشاركة في الانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر 2026، تدعو إلى ضمان حرية تأسيس الجمعيات ووضع حد لما وصفته المذكرة بالشطط والتفاوت في الممارسة الإدارية، خاصة ما يتعلق بتسليم وصل الإيداع.

وفي ما يلي النص الكامل للمذكرة:

مذكرة ترافعية موجهة إلى الأحزاب السياسية المشاركة في الانتخابات التشريعية بتاريخ 23 شتنبر 2026 من أجل ضمان حرية تأسيس الجمعيات ووضع حد للشطط والتفاوت في الممارسة الإدارية. 

وصل الإيداع حق يكفله الدستور وليس ترخيصاً مقنعا للتضييق على حرية تأسيس الجمعيات

تشكل حرية تأسيس الجمعيات دعامة أساسية لدولة الحق و القانون وللممارسة الديمقراطية والمشاركة المواطنة، باعتبار أن قوة المجتمع الديمقراطي لا تقاس فقط بمتانة مؤسساته المنتخبة، وإنما أيضاً بقدرته على ضمان وجود مجتمع مدني حر ومستقل وتعددي وفاعل، يتيح للمواطنات والمواطنين الانتظام بصورة سلمية، وتنظيم المبادرات المدنية والتطوعية، والدفاع عن الحقوق والقضايا والمصالح المشروعة، وتقديم خدمات القرب وتأطير المواطنات والمواطنين، والإسهام، دون عوائق، في النقاش العمومي ومراقبة السياسات العمومية واقتراح البدائل والمشاركة في إعدادها وتنفيذها وتقييمها.

وتستند هذه الحرية إلى المواثيق الدولية لحقوق الإنسان التي صادق عليها المغرب، ولا سيما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الكافل لحرية تكوين الجمعيات، كما كرسها دستور المملكة، ولا سيما فصله 12، بإقراره حرية تأسيس جمعيات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية وممارسة أنشطتها في نطاق احترام الدستور والقانون.

ومن ثم، فإن صيانة الحرية الجمعوية لا تمثل مطلباً قطاعياً يخص الجمعيات وحدها، بل تشكل قضية ديمقراطية وحقوقية جوهرية، تتصل مباشرة بمسار بناء دولة الحق والقانون وبمصداقية المشاركة المواطنة وفعالية إسهامها في تدبير الشأن العام.

وبمناسبة انتخابات مجلس النواب المقررة الأربعاء 23 شتنبر 2026، نتوجه بهذه المذكرة إلى الأحزاب المشاركة في هذا الاستحقاق، بوصفها فاعلاً محورياً في التشريع والرقابة وصياغة السياسات العمومية، وندعوها إلى جعل حماية الحرية الجمعوية والأمن القانوني للجمعيات التزاماً انتخابياً وتشريعياً واضحاً، لا مجرد إعلان نوايا عام لدعم المجتمع المدني.

ممارسات إدارية مشوبة بالشطط تُحَوِّلُ نظام التصريح إلى ما يشبه الترخيص

يقوم النظام القانوني المنظم لتأسيس الجمعيات في المغرب، من حيث المبدأ، على حرية التأسيس ونظام التصريح، لا على الترخيص الإداري المسبق، غير أن الممارسة اليومية وتواتر عدد من حالات الشطط المتمثلة في رفض تسلم الملفات القانونية للجمعيات من قبل السلطات الإدارية المحلية، تكشف عن فجوة بين الضمانات القانونية وبين كيفية تطبيق المساطر على المستوى الترابي، وهي فجوة سبق أن رصدتها دراسات ومذكرات وتقارير صادرة، سواء عن المؤسسات الدستورية (المجلس الوطني لحقوق الإنسان و المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي) أو عن فعاليات المجتمع المدني، لعل من أبرز صورها رفض تسلُّم ملفات تأسيس الجمعيات أو تجديد أجهزتها المسيرة أو تعديل أنظمتها، وعدم تسليم الوصولات المؤقتة فورا، والتأخر في تسليم الوصولات النهائية، وطلب وثائق أو إجراءات إضافية، وربط بعض الملفات بأبحاث أو موافقات لا تنص عليها المسطرة القانونية؛

ولا يتعلق الأمر هنا بنقاش نظري أو شكلي حول وثيقة إدارية، فالمادة 5 من القانون تنص بشكل واضح لا يقبل الاجتهاد أو التأويل، على أن التصريح بتأسيس أو تجديد مكتب الجمعية يقدم لدى السلطة الإدارية المحلية مباشرة أو بواسطة عون قضائي، وأنه يسلم عنه وصل مؤقت مختوم ومؤرخ في الحال، كما يسلم الوصل النهائي وجوباً داخل أجل أقصاه ستون يوماً عند استيفاء الإجراءات المطلوبة.

غير أنه حين تمتنع الإدارة عن تسلم الملف أو عن تسليم الوصل المؤقت، يفقد نظام التصريح جزءاً من معناه ويغدو وجود الجمعية ونشاطها مُعلَّقين  عملياً على موقف إداري لم يجعله القانون شرطاً سابقاً لممارسة الحق، علما أن المشرع حرص على مبدأ التوازن بين ممارسة حرية تأسيس الجمعيات وبين إمكانية لجوء الإدارة إلى القضاء، ولا لشيء غيره، لطلب بطلان تأسيس أو تجديد مكتب الجمعية، حيث يحدد الفصل 3 من  ظهير 15 نوفمبر 1958، حالات بطلان الجمعية، أما الفصل 5 من نفس الظهير فيوجب إحالة نسخة من التصريح إلى النيابة العامة عند الاقتضاء، بينما يسند الفصل 7 للمحكمة الابتدائية النظر في طلب البطلان وفي حل الجمعية إذا كانت في وضعية مخالفة للقانون، بما في ذلك بمبادرة من النيابة العامة. وبذلك لم يترك القانون المخالفات من دون آلية لمواجهتها، وإنما جعل الفصل فيها قضائياً؛

ومنثَمَّ  فإن رفض تسلم ملف  الإيداع أو تعليق الوصل على بحث أو موافقة سابقة، يستبدل هذا المسار برقابة إدارية قبلية تحول التصريح إلى ما يشبه ترخيصا مقنعا.

ومن هذا المنطلق، لا تطرح الجمعيات الموقعة هذه الملاحظات في مواجهة الإدارة أو تشكيكاً في أدوارها، بل طلباً لتوحيد الممارسة وضمان خضوعها للقواعد نفسها في مختلف جهات المملكة؛ إذ لا ينبغي أن يتغير احترام القانون باختلاف المدينة أو الإقليم أو المصلحة الإدارية التي تستقبل الملف القانوني للجمعية.

آثار هذه الممارسات تتجاوز الجمعية لتمس سمعة الحياة الديمقراطية والمشاركة المواطنة ببلادنا

إن الامتناع عن تسليم الوصل أو التأخر غير المبرر فيه لا يظل محصوراً داخل العلاقة بين الجمعية والسلطة الإدارية المحلية، بل تترتب عنه آثار عملية تمس قدرة الجمعية على ممارسة نشاطها.

ففي كثير من المعاملات، تحتاج الجمعية إلى إثبات وضعيتها وتحيين المعطيات المتعلقة بجهازها المسير أمام الأبناك والإدارات والجماعات الترابية والشركاء والجهات المانحة وأصحاب القاعات والفضاءات العمومية، حيث يؤدي غياب الوصل أو عدم تحيينه إلى تعقيد فتح أو تحيين الحسابات البنكية، وإبرام اتفاقيات الشراكة، والحصول على التمويل، وإثبات صفة الممثلين القانونيين، والولوج إلى بعض الفضاءات والخدمات.

إن عدم تسليم الوصل النهائي يمكن أن يحول الاعتراف القانوني النظري إلى عرقلة فعلية للنشاط الجمعوي وتضييقا متعمدا على ممارسة حرية الجمعيات ببلادنا، لذلك نطالب أن تؤخذ هذه القضية لا باعتبارها مطلباً فئوياً للجمعيات، بل كمؤشر حقيقي على سيادة واحترام القانون وعلى جودة الإدارة وانضباطها للقانون.

من جهة أخرى نعتبر نحن الجمعيات الموقعة على هذه المذكرة، أن حماية حرية تأسيس الجمعيات لا تعني إعفاءها من الالتزام بالقانون أو من واجبات الشفافية والحكامة والمساءلة، بل إننا نعتبر أن حرية العمل الجمعوي والمسؤولية وجهان متلازمان، لكن مطالبة الجمعيات باحترام القانون ينبغي أن يقابلها، بالضرورة، التزام الإدارة هي الأخرى بالمساطر والآجال والضمانات التي يقررها القانون.

مطالبنا إلى الأحزاب السياسية

انطلاقاً من التجارب الميدانية المتراكمة ومن المقترحات التي بلورتها فعاليات المجتمع المدني، ندعو الأحزاب السياسية المشاركة في انتخابات 23 شتنبر 2026 إلى إدراج الالتزامات التالية ضمن برامجها الانتخابية والعمل على تنفيذها خلال الولاية التشريعية المقبلة:

  1. ضمان التسليم الفوري لوصل الإيداع المؤقت

اتخاذ التدابير التشريعية والتنظيمية والإدارية الكفيلة بضمان تسليم الوصل المؤقت في الحال، مختوماً ومؤرخاً، بمجرد إيداع ملف مستوفٍ للوثائق القانونية، ووضع حد لأي ممارسة تجعل تسليمه مرتبطاً بانتظار نتيجة بحث أو موافقة مسبقة غير مقررة في القانون.

  1. حماية الجمعيات من آثار الامتناع الإداري عن تسليم الوصل

مراجعة المقتضيات ذات الصلة بما يسمح باعتبار الإثبات القانوني للإيداع، بما في ذلك محضر العون القضائي أو الإشعار الإلكتروني، منتجاً لآثاره القانونية عند ثبوت امتناع الإدارة عن تسليم الوصل المؤقت، حتى لا تستفيد الإدارة الممتنعة من الآثار المترتبة عن امتناعها.

  1. رقمنة مسطرة تأسيس الجمعيات وتجديد هياكلها

إقرار الإيداع الإلكتروني إلى جانب الإيداع الورقي الحضوري، عبر منصة وطنية موحدة تتيح استخراج وصل إلكتروني فوري يحمل التاريخ والساعة ورقماً مرجعياً، وتمكن الجمعية من تتبع مآل ملفها، بما يحد من التفاوت في الممارسة ويحسن جودة الخدمة الإدارية.

  1. وضع حد للوثائق والشروط غير المنصوص عليها

التنصيص بصورة واضحة على عدم جواز مطالبة الجمعية بوثائق أو بيانات غير واردة في النصوص القانونية والتنظيمية المنشورة، مع إلزام الإدارة، في حال وجود نقص في الملف، بتوجيه إشعار واحد ومكتوب ومعلل يحدد الوثائق الناقصة والسند القانوني المعتمد.

  1. إعمال أثر قانوني لانقضاء الأجل والاستفادة من ضمانات القانون رقم 55.19

مراجعة الإطار التشريعي والتنظيمي لإدراج مساطر إيداع وثائق تأسيس الجمعيات وتجديد هياكلها المسيرة  صراحة ضمن الضمانات الملائمة التي يقررها القانون رقم 55.19 المتعلق بتبسيط المساطر والإجراءات الإدارية، ولا سيما المبدأ الوارد في المادة 4 باعتبار سكوت الإدارة بعد انصرام الأجل بمثابة موافقة، والمنظم تطبيقه بالمادتين 19 و20 بالنسبة للقرارات الإدارية، المحددة تنظيمياً، وينبغي تكييف هذا المبدأ مع الطبيعة التصريحية للنظام الجمعوي، فلا يفهم باعتباره ترخيصاً ضمنياً بل أثراً قانونياً تلقائياً يمنع تعطيل الحق، ويتيح عند انقضاء الأجل استخراج شهادة تثبت الإيداع والوضعية القانونية وتكون قابلة للإدلاء بها أمام الإدارات والأبناك والشركاء.

  1. إحداث آلية استعجالية ومستقلة لتلقي تظلمات الجمعيات

إحداث مسار واضح وسريع لتلقي الشكايات المتعلقة برفض تسلم الملفات أو عدم تسليم الوصول أو طلب وثائق غير مقررة قانوناً، على أن يحدد أجل قصير للبت فيها، مع تمكين الجمعية من معرفة مآل شكواها والإجراء المتخذ بشأنها.

  1. توحيد الممارسة الإدارية على الصعيد الوطني

إصدار دليل مسطري وطني موحد وملزم يحدد بدقة إجراءات تأسيس الجمعيات وتجديد هياكلها المسيرة والوثائق المطلوبة والآجال القانونية، مع تكوين الموظفين والأعوان المكلفين باستقبال الملفات، ونشر المسطرة بشكل واضح داخل مقرات الإدارات وعلى البوابات الإلكترونية.

  1. إرساء آليات للمساءلة والشفافية

توفير معطيات وطنية دورية حول ملفات تأسيس الجمعيات وتجديدها، وعدد الوصول المسلمة، وحالات التأخير والشكايات المسجلة ومآلاتها، وتقديم حصيلة دورية للبرلمان تسمح بتقييم مدى احترام القانون على المستوى الترابي واتخاذ التدابير التصحيحية اللازمة.

التزام سياسي من أجل الولاية التشريعية المقبلة

وعليه، ندعو كل حزب سياسي يتسلم هذه المذكرة التفضل بالتعبير عن موقفه من مطالبها، وإدراج الإجراءات التي يتبناها لحماية حرية الجمعيات ضمن برنامجه الانتخابي، والالتزام، في حال تمثيله في البرلمان أو مشاركته في الحكومة، بالعمل على ترجمتها إلى مبادرات تشريعية أو تنظيمية أو رقابية، مع تحديد أجندة زمنية واضحة للشروع في ذلك؛

كما ندعو الأحزاب إلى جعل موضوع حرية تأسيس الجمعيات جزءاً من وظائفها الرقابية داخل البرلمان، من خلال الأسئلة واللجان والمهام الاستطلاعية وتقييم السياسات العمومية، وإلى الحفاظ بعد الانتخابات على قنوات حوار منتظمة مع الجمعيات وشبكات الجمعيات المعنية بإصلاح المنظومة القانونية للعمل الجمعوي.

نداء إلى جميع الأحزاب

إن حرية تأسيس الجمعيات حق مكفول بمقتضى الدستور والقانون، وهي أيضا التزام رسمي وراسخ للمملكة المغربية، أما وصل الإيداع الذي تحصل عليه الجمعية، فهو مجرد وثيقة رسمية تُثبت أن الجمعية صرحت بوجودها من خلال إيداع ملفها القانوني للسلطات المعنية وفقاً للإجراءات والخطوات التي يحددها القانون.

لذلك حين نطالب كجمعيات باحترام هذه القاعدة، فنحن لا ندافع فقط عن مصالحنا التنظيمية، وإنما ندافع عن مبدأ أوسع بأن تظل الإدارة خاضعة للقانون، وأن يحصل المواطن على الحق نفسه أمام المرفق العمومي أياً كان مكان إقامته أو طبيعة النشاط المدني الذي اختار الانخراط فيه.

كما نعتبر انتخابات شتنبر 2026 فرصة لكي تبين الأحزاب السياسية، من خلال برامج والتزامات قابلة للقياس، المكانة التي تمنحها فعلياً للحريات العامة ولدولة القانون وللديمقراطية التشاركية.

ومن هذا المنطلق، ندعو جميع الأحزاب، دون تمييز، إلى التفاعل الإيجابي مع هذه المذكرة، والتوقيع على بطاقة الالتزام المرفقة بها، لجعل ضمان الحرية الجمعوية والأمن القانوني للجمعيات أحد الالتزامات الواضحة للولاية التشريعية المقبلة.

عن الجمعيات الموقعة

https://anbaaexpress.ma/r24zq

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى