تجدر الإشارة إلى أنّه، على الرّغم من الزّخم الهائل الذي يطبع العلاقات الثنائية بين البلدين، والبريق اللمّاع الذي يضيئها، ويوحي للعيان أنّها كانت دائماً على خير ما يُرام في مختلف المرافق والقطاعات، فإنّه ينبغي لنا ألاّ نغفل، أو أن ندير ظهورَنا لقضايا أخرى ثنائية هامّة، شائكة، وأمور عالقة، وإكراهات مُؤرقة ما زالت تثقل كواهلنا، وتقلق مضاجَعنا، وتشغل بالنا، ممثّلة في جملة من المطالب التاريخية المشروعة المتوارثة من العهود الإسبانية البائدة التي ما زالت تنتظر الحلول الناجعة لها، وهي قضايا لا تخفى على أحد، ويعرفها القاصي والدّاني على حدٍّ سواء.
هذه الأمور ما فتئت تواجهنا بإلحاح، ولا ينبغي أن نسلك حيالها مسلك النّعامة في إخفاء رأسها في الرّمال، وعدم رؤية الواقع الحقيقي الذي نعيشه، ونلمسه ونواجهه، ويتجسّد نصب أعيننا، ويمكن حصر بعض هذه القضايا كما يلي:
الصّحراء المغربية.. خطٌّ أحمر
ما فتئت إسبانيا تتعنّت وتتحرّب في مواقفها حيال جارها الأهم في الشقّ الجنوبي على امتداد التاريخ، وهو المغرب، ففي الوقت الذي لا يتوقف ولا يتورّع كبار المسؤولين الإسبان في المدة الأخيرة، بدءاً برئيس الحكومة السيد بيدرو سانشيس ووزير الخارجية الإسبانية خوسّيه مانويل ألباريس وسواهما من المسؤولين الآخرين الرفيعي المستوى، في الإلحاح على ضرورة عودة العلاقات الثنائية بين البلدين إلى حالها السابق، والتأكيد في كلّ مناسبة على أنّ المغرب يُعتبر جاراً استراتيجياً هاماً بالنسبة لإسبانيا، مع ذلك نجدهم يقومون – مقابل ذلك – بتصرّفات تنأى عن الصّواب، منذ استقبال إسبانيا بشكل سرّي مشبوه لزعيم الانفصاليين تحت ذريعة العلاج، وصولاً إلى انفراد رئيس الحكومة الإسبانية باستقباله للانفصالي غالي خلال القمة الأوروبية الإفريقية ببروكسيل.
في حين أنّ هذا الأخير لم يُستقبل قطّ من طرف أي رئيس أوروبي آخر، حيث عاد إلى مخيمات العار خاوي الوفاض، ومعروف أنّ الرئيس سانشيس فعل ذلك محاباة، ومداهنة، ومصانعة للجهة التي تمدّه بالغاز الطبيعي في هذه الظروف الصعبة التي يجتازها العالم بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، ومروراً بالزيارة التي قام بها سانشيس مؤخراً إلى الجزائر، ووصولاً إلى تمرير قانون منح الصحراويين المحجوزين في تندوف الجنسية الإسبانية، ناهيك عن أحداث سبتة ومليلية الأخيرة التي زادت الطينة بلّة وعكّرت صفو العلاقات الثنائية الإسبانية المغربية التي كانت تنعم حتى وقت قريب بانسجام تام، وتناغم كامل.
وعلى الرّغم من الدعايات المغرضة والأكاذيب المزيّفة التي أطلقها الخصوم والبروباغاندا التي كانت تروّجها جبهة البوليساريو الانفصالية بخصوص حصولها على اعتراف أوروبي لصالح ما تسمّيه “الجمهورية الصحراوية”، إثر مشاركة إبراهيم غالي في أشغال قمة الاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي الآنفة الذكر، سرعان ما جاء الردّ الحاسم مفحماً من طرف الممثل السامي للسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، الذي أكد في تصريح رسمي قطعي أنّ الاتحاد الأوروبي لا يعترف بما يسمّى “الجمهورية الصحراوية” الوهمية.
ولقد اقتفت إسبانيا خطى الولايات المتحدة الأمريكية والعديد من البلدان الأخرى، واعترفت بسيادة المغرب على صحرائه المسترجعة، ذلك إنّ إسبانيا، باعتبارها طرفاً تاريخياً أساسياً ورئيسياً في هذا النزاع الإقليمي المفتعل الذي طال أمدُه بسبب تعنّت الأشقاء وراء التخوم الشرقية، مدعوّة بأن تفتح عيونها جيّداً، وأن تصحو من غفوتها، وأن تقوم بحسابات براجماتية جديدة ودقيقة، لتقوم بمبادرة أو مبادرات تعود بها إلى رشدها، وتؤوب إلى صوابها في هذه القضيّة الحاسمة التي تُعتبر من أولويّات قضايا المغرب الحاسمة والتي تدخل في صلب اهتماماته.
ولقد أكدت واشنطن دعمها الكامل والمتواصل لمخطط الحكم الذاتي المغربي، حيث اعتبرت الولايات المتحدة الأمريكية “خطة الحكم الذاتي المغربية على أنّها جادّة وذات مصداقية وواقعية”. وكانت السفيرة الممثلة الدائمة للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، كيلي كرافت، قد أبلغت قبل ذلك رسمياً مجلس الأمن الدولي والأمين العام للأمم المتحدة، بفحوى الإعلان الصادر عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والذي يعترف بالسيادة الكاملة والشاملة للمغرب على صحرائه.
ويجدر بنا التذكير أنّ إسبانيا – قبل أن تحذو حذو واشنطن في دعمها واعترافها بالحكم الذاتي للمغرب على الصحراء – كانت تستغلّ هذا الجانب من قبل في كلّ مناسبة لتقايض به مصالحها مع المغرب في هذا النزاع المفتعل والمصطنع.
سبتة ومليلية والثغور المحتلّة دائماً في البال
عندما يثار الحديث عن سبتة ومليلية في مختلف الأوساط الأدبية والتاريخية والشعرية، يقفز إلى الذهن على الفور بيت قرأته ذات مرّة في كتاب ”أزهار الريّاض في أخبار القاضي عياض” للعالم الحافظ الجليل شهاب الدين أحمد بن محمد بن أحمد بن يحيى، أبو العباس المقري التلمساني، فحفظته رأساً عن ظهر قلب، يقول الشاعر فيه عند تحيّته لمدينته سبتة السليبة: “سلامٌ على سبتة المَغربِ / أخيّةَ مكّةَ ويثربِ”.
المدينتان المغربيتان المحتلتان سبتة ومليلية، والجزر الجعفرية، وصخرة النكور، والجزيرتان الصغيرتان المحاذيتان لشاطئ “الصّفيحة” بأجدير، قرب مدينة الحسيمة، وشبه جزيرة بادس، وجزيرة ليلى تورة، كلها ما زالت تذكّرنا عند انبلاج كل صباح بأنّه ما زالت هناك قضايا تاريخية جادّة عالقة وشائكة تمسّ السّيادة الوطنية في الصميم.
كانت مداخل ومخارج المدينتين السليبتين، قبل انتشار وتفشّي جائحة كورونا اللعين، تفصح عن الوجه الآخر المؤلم لهذا الموضوع، حيث كان المواطنون المغاربة يعبرون هاذين المعبرين الأرضيين ذهاباً أو إيّاباً على مضض لعناق بعضهم البعض، وإحياء صلة الرّحم فيما بينهم وراء الأسلاك الشائكة التي تفصل بينهما، في زمنٍ تهاوت فيه كلّ الجدران مهما كان علوّها وارتفاعها، وكانت جائحة كورونا ومتحوّراتها آنذاك قد زادت من معاناة هؤلاء المواطنين الذين كانوا يحصلون على قوت يومهم من هاذين الثغرين بعد أن تمّ إغلاقهما بصفة نهائية منذ بداية انتشار هذا الوباء المفزع.
وعلى الرّغم مما حدث في المدة الأخيرة من أحداث في مشارف وداخل المدينتين السليبتين، من اجتياحات جماهيرية واسعة، لم يكن للمغرب يد فيها، إلا أنّها تعبّر بشكل أو بآخر عن الإرادة الشعبية المُصرّة التي تحدو المغرب في إيجاد حل نهائي لهذه الثغور التي أمسى العالم اليوم ينظر إليها أنّها من مخلّفات المدّ الاستعماري البائد.
على الرّغم من الجهود المبذولة في هذا المجال، لمحاربة أو جعل حدٍّ للهجرة السريّة واللاّشرعية التي تفاقمت بشكل مهول في المدّة الأخيرة، ممّا أصبح الأمر يدعو للقلق، ما فتئت التساؤلات تطرح عن الإجراءات التي اتّخذها المغرب لإيجاد الحلول المناسبة العاجلة والناجعة لمواجهة هذه المعضلة الإنسانية وصدّ هذا الزّحف العرمرم نحو المغرب وإسبانيا، ولقد أضيفت إليه سبتة ومليلية وجزر الخالدات، الشيء الذي أصبح ينذر بعواقب قد لا تُحمد عقباها في مختلف الواجهات الأمنية، والإرهابية، والاجتماعية، والإنسانية، والصّحية وسواها.
الأسلحة الكيمياوية والغازات السامّة في الرّيف
لا ريب أنّ موقف إسبانيا من استعمالها للغازات السامّة، والأسلحة الكيمياوية المحظورة في حرب الرّيف التحرّريّة الماجدة، أصبح يُثار بإلحاح في المدّة الأخيرة داخل المغرب وخارجه، بل إنّه أمسى يُثار حتى داخل إسبانيا نفسِها.
فهل في مقدور الجارة الشمالية اليوم الإقدام على اتّخاذ خطوة تاريخية جريئة للمصالحة النهائية مع ماضيها المعتم والغاشم في هذه المنطقة من المغرب، بتقديمها اعتذاراً شجاعاً للشّعب المغربي، بشكلٍ عام، ولأهل الرّيف على وجه الخصوص، من السكّان الآمنين، وتعويضهم إنسانيّاً، وحضاريّاً، حسب ما تمليه القوانين الدولية في هذه الجرائم النكراء.
وقد أصبح هذا الموضوع الحيوي الهامّ يستأثر بحدّة باهتمام الرّأي العام المغربي والإسباني على حدٍّ سواء، المتعلّق بالتظلّم المُجحف، والأضرار الجسيمة التي لحقت بالعديد من الأسر والعائلات التي ما زالت تعاني في مختلف مناطق الرّيف من الآثار الوخيمة لـ (أوبئة السرطان اللعين) الناجمة عن استعمال هذه الأسلحة الكيمياوية الفتّاكة المحظورة من طرف إسبانيا بعد الهزائم المُنكرة التي تكبّدتها في حرب الرّيف؟
الجالية المغربية المقيمة في إسبانيا
غير خافٍ على أيّ متتبّع للشأن الإسباني – المغربي ما تعانيه الجالية المغربية المقيمة في إسبانيا، التي أصبحت تقارب المليون ونصف المليون نسمة، من ضائقة خانقة في خضمّ الأزمات العويصة التي تعيشها إسبانيا في الوقت الراهن، التي لم تخرج منها إلاّ بعد انحسار الجائحة التي كانت قد ضربت الاقتصاد الإسباني في مقتل، وزادتها صعوبة الحرب الروسية الأوكرانية.
وتنعكس هذه الأزمة سلباً بشكل أو بآخر على هذه الجالية، ذلك أنّ معظمهم كانوا يشتغلون في قطاعي الفلاحة والبناء، وأصبحوا عرضة للتسريح المجحف، والارتماء في أحضان البطالة.
وحسب الخبراء فإنّ الحلول لا تبدو في الأفق القريب، نظراً لانعدام تواصل جاليتنا مع النّخبة السياسية الإسبانية، وعدم توفّر وسائل الدفاع عنها وعن حقوقها، مع اطّراد صعود اليمين المتطرف، (فوكس)، وإذعانه في حلبة السياسة الإسبانية، والتي تكنّ العداء وتضمر الكراهية ليس لجاليتنا وحسب، بل لجميع المهاجرين الأجانب الذين يوجدون في إسبانيا في الوقت الراهن.
وينبغي التذكير أنّ الحكومة الإسبانية السابقة كانت قد صادقت على قانون للهجرة غير منصف بالنسبة للمغاربة، مقابل السياسة التفضيلية والتمييزية التي يحظى بها مواطنو بلدان أمريكا اللاتينية.
والحالة هذه، ينبغي على بلادنا مضاعفة جهودها لتقديم مختلف وسائل الدّعم لهم في هذه الظروف على مختلف الأصعدة والمستويات.
طرد وإبعاد المُوريسكيين من ديارهم
ما فتئ الإسبان يتمنّعون ويتعنّتون حتى اليوم في تقديم اعتذار علني عن إشكالية طردهم، وإبعادهم “للموريسكيّين” الأندلسيّين “المُهَجَّرين” قهراً، وقسراً، وعنوةً من ديارهم، والذين استقرّ معظمهم في المغرب، وفي الجزائر وتونس، وفي بلدان مشرقية أخرى.
ومن المعروف أنّ العاهل الإسباني السّابق خوان كارلوس الأوّل سبق له أن قدّم اعتذاراً لليهود (السيفارديم) الذين أُبْعِدوا من إسبانيا هم الآخرون، ولم يقم هو ولا خلفُه الحالي ابنه الملك فيليبي السادس بنفس البادرة حتى الآن مع الموريسكيين المسلمين.
وبهذه المناسبة نهنّئ صفوة من المثقفين الإسبان المتسامحين الذين تربطنا وإياهم علاقات صداقة وأواصر مودّة منذ سنوات خلت، الذين شاركوا في غير قليل من اللقاءات الدولية معنا، نذكر منها على سبيل المثال (الملتقى العالمي حول عقب الموريسكيين والسفارديم بين التشريع الإسباني والقانون الدولي) الذي نظمته “مؤسسة ذاكرة الأندلسيين” بالرباط، والذي شاركتُ في أشغاله.
وتُعتبر هذه البادرة خطوة تاريخية لهؤلاء الموريسكيين الذين تعرّضوا للطرد الجماعي، والإقصاء القسري، من وطنهم وأراضيهم، بعد أن عاش أجدادهم فيها زهاء ثمانية قرون ونيّف، وما انفكّ العديد من مثقفي العالم الحرّ، بمن فيهم الإسبان أنفسهم وسواهم، يثيرون هذا الموضوع بلا هوادة بين الفينة والأخرى.
وعلى الرّغم ممّا قيل ويقال، وعلى الرغم من هذا وذاك، ومن العقبات التي تعترض العلاقات المغربية الإسبانية بين الفينة والأخرى، فإنّ عزيمة البلدين، وتأكيدهما الراسخ على زيادة تقوية وتوثيق وتمتين العلاقات بينهما، أمر حتمي لا مناص منه.
فإسبانيا والمغرب، كما أشيع ويشاع دائما، وكما كان يؤكّد الكاتب الإسباني الكبير الرّاحل – صديق المغرب – خوان غويتيسولو وسواه، هما: “بلدان محكومٌ عليهما بالتفاهم“.




