لم تعد طنجة تُعرَف فقط باعتبارها بوابة المغرب نحو أوروبا، أو كأحد أهم أقطاب صناعة السيارات واللوجستيك والتصدير، بل بدأت تفرض نفسها تدريجياً كأرضية لصناعات جديدة ترتبط بما يُعرف باقتصاد المستقبل.
وفي أحدث المؤشرات على هذا التحول، تدرس الشركة السويسرية H2 Global Energy إمكانية تطوير مشروع صناعي في طنجة باستثمار تقديري يصل إلى نحو 1.1 مليار دولار، لإنتاج نحو 28 ألف طن سنوياً من بيروكسيد الهيدروجين المتجدد، بالاعتماد على حوالي 700 ميغاواط من الطاقة الشمسية والريحية.
ومن المتوقع، وفق التصورات الحالية، أن يدخل المشروع مرحلة التشغيل في أفق 2028.
لكن الرقم الأكثر أهمية في هذا المشروع ليس فقط حجم الاستثمار، بل طبيعة الصناعة التي يستهدفها.
فالمغرب لا يراهن على إنتاج الطاقة النظيفة فحسب، وإنما يسعى إلى تحويل إمكاناته الكبيرة في الشمس والرياح إلى صناعة ذات قيمة مضافة، تنتج مشتقات ومواد كيميائية يمكن أن تدخل في سلاسل صناعية جديدة، وتفتح المجال أمام صادرات أكثر ارتباطاً بالاقتصاد الأخضر.
طنجة.. من الميناء إلى الصناعات الخضراء
اختيار طنجة ليس تفصيلاً عابراً، فالمدينة تتوفر على بنية تحتية صناعية ولوجستية متقدمة، وموقع استراتيجي على بعد مسافة قصيرة من الأسواق الأوروبية، فضلاً عن ميناء طنجة المتوسط والمنظومة الصناعية المحيطة به.
وهذه العناصر تمنح أي مشروع أخضر موجّه نحو الصناعة والتصدير أفضلية مهمة، خصوصاً في ظل سعي أوروبا إلى تطوير سلاسل توريد أقل انبعاثاً للكربون.
وبذلك، فإن المشروع السويسري المحتمل يمكن أن يُقرأ باعتباره جزءاً من تحول أكبر: انتقال طنجة من مركز للتصدير الصناعي التقليدي إلى منصة محتملة للصناعات الخضراء الموجهة للأسواق الدولية.
3.6 مليارات دولار.. رهان أوسع من طنجة
ولا يتعلق الأمر بمشروع طنجة وحده، فالشركة السويسرية تدرس أيضاً مشروعاً في بني ملال لإنتاج الأمونيا المتجددة باستثمارات تقديرية تبلغ نحو 2.5 مليار دولار، ما يرفع القيمة الإجمالية المحتملة للمشروعين إلى حوالي 3.6 مليارات دولار.
غير أن هذه الأرقام تبقى تقديرية، لأن المشروعين لا يزالان في مرحلة الدراسات الأولية pre-FEED، ولم يصلا بعد إلى قرار استثماري نهائي.
وهنا تكمن النقطة التي يجب التوقف عندها: المغرب يستقطب اهتماماً استثمارياً متزايداً، لكن تحويل هذا الاهتمام إلى مصانع قائمة وإنتاج فعلي يظل مرتبطاً بالتمويل والجدوى الاقتصادية والتراخيص والدراسات التقنية.
المغرب يرفع سقف الطموح
وتأتي هذه التطورات في سياق أوسع من توجه المملكة إلى بناء موقع لها في سوق الهيدروجين الأخضر ومشتقاته.
فقد أعلنت الحكومة المغربية ضمن “عرض المغرب” للهيدروجين الأخضر عن مشاريع واستثمارات ضخمة، بما يعكس رغبة واضحة في الانتقال من تصدير الطاقة أو المواد الأولية إلى صناعة منتجات خضراء ذات قيمة مضافة.
وبالنسبة للمغرب، فإن الرهان الحقيقي لا يتعلق فقط بإنتاج الهيدروجين، وإنما بما يمكن أن يولده هذا القطاع من صناعات مرتبطة به: الأمونيا، والوقود الأخضر، والمنتجات الكيميائية، ومكونات صناعية جديدة.
السؤال الأصعب: هل تتحول الدراسات إلى مصانع؟
رغم جاذبية الأرقام، فإن مشروع طنجة لم يدخل بعد مرحلة التنفيذ، والاستثمار البالغ 1.1 مليار دولار يظل استثماراً محتملاً وليس التزاماً نهائياً.
لكن حتى في هذه المرحلة المبكرة، يحمل المشروع رسالة اقتصادية واضحة: المغرب أصبح حاضراً في حسابات المستثمرين الذين يبحثون عن مواقع لإنتاج الطاقة والمواد الخضراء بالقرب من السوق الأوروبية.
وإذا نجحت طنجة في تحويل هذا النوع من المشاريع من مرحلة الدراسات إلى مرحلة الإنتاج، فقد لا يكون الأمر مجرد إنشاء مصنع جديد، بل بداية فصل اقتصادي جديد لمدينة اعتادت أن تغيّر موقعها في خريطة التجارة والصناعة.




