أخطر الصفقات السياسية ليست تلك التي يعلن ثمنها، بل التي تعرض على المواطن بسعر رمزي، ثم ترسل إليه فاتورتها بعد إغلاق صناديق الاقتراع.
في موسم الانتخابات، يبدو المستقبل رخيصا على نحو يثير الريبة: وظيفة لكل عاطل، وسرير لكل مريض، ومدرسة لكل حي، وطريق يصل إلى آخر قرية. لا ينقص المشهد سوى عبارة صغيرة أسفل الملصق: العرض ساري المفعول إلى غاية إعلان النتائج.
إقتراع 2026 لن يبدأ يوم التصويت، بل قبل ذلك بكثير؛ يوم تتحول الذاكرة العامة إلى ساحة تنافس بين ما أنجز فعلا وما أعيد تغليفه في خطاب جديد.
فالحملات لا تبيع البرامج وحدها، وإنما تسوق الانطباعات أيضا. صورة محسوبة، وابتسامة مدروسة، وجملة قصيرة قابلة للترديد، ثم قدر وافر من الكلمات التي تبدو دقيقة ما دام أحد لا يطالبها برقم أو أجل.
هنا تظهر براعة الوعد الانتخابي. فهو لا يكذب بالضرورة، لكنه يجيد الوقوف في المنطقة الرمادية بين الممكن والمستحيل. يعد بالتشغيل، ثم يترك عدد الوظائف للخيال. يبشر بتحسين الصحة، من دون أن يحدد الموارد.
يضع التعليم في صدارة الأولويات، ثم يوسع الصدارة حتى تتسع لكل شيء ولا تلزم بشيء. وهكذا تصل الوعود إلى المواطن كاملة الأناقة، ناقصة العنوان.
أما البرامج الانتخابية، فتشبه أحيانا قوائم الطعام في المطاعم الفاخرة: صور جذابة، وأسماء طويلة، ووصف يوقظ الشهية، بينما يظل المذاق رهينا بما سيصل فعلا إلى المائدة.
تتكرر فيها مفردات العدالة والكرامة والتنمية والإنصاف، حتى تبدو الأحزاب كأنها استعانت بالمحرر نفسه. ويكمن الاختلاف غالبا في لون الغلاف، وعدد الصور، وترتيب الكلمات التي سبق أن سمعها المواطن في مناسبات سابقة.
ولأن التجديد مطلب لا يمكن تجاهله، تخضع بعض الوجوه لعملية تحديث سياسي سريعة. تتغير زاوية الصورة، ويصبح الخطاب أكثر شبابا، وتضاف إلى السيرة عبارات من قبيل «الإنصات إلى النبض المجتمعي».
ثم يظهر صاحبها في المقهى والسوق والحي الشعبي، مصافحا الجميع بحرارة تكفي لتدفئة موسم كامل. وبعد انتهاء الحملة، يعود النبض إلى مكانه، ويعود الإنصات إلى وضعية الصامت.
حتى المناظرات، التي يفترض أن تضع البرامج أمام الاختبار، قد تتحول إلى مسابقة في ترتيب المفردات. كل متدخل يحمل تشخيصا شاملا، وحلا عاجلا، وذاكرة لا تستحضر من الماضي إلا أخطاء منافسيه.
وإذا ضاق السؤال، اتسعت الإجابة، وإذا طلب الصحافي رقما، حصل على رؤية؛ وإذا سأل عن موعد، جاءه حديث مطول عن الإرادة. وحدها الحصيلة تفضل الجلوس بعيدا عن الأضواء، تواضعا أو احتياطا.
غير أن السخرية من هذه الطقوس لا تعني التقليل من قيمة الانتخابات، بل الدفاع عن معناها. فالاقتراع ليس حفلا موسميا للملصقات، ولا مناسبة لمكافأة القرابة أو الشهرة أو حسن الخطابة.
إنه عقد سياسي يمنح سلطة التمثيل، ولذلك لا يكفي أن يكون المرشح مألوفا، ينبغي أن يكون كفؤا، نزيها، واضح البرنامج، وقابلا للمساءلة قبل الفوز وبعده.
المشكلة أن بعض الخطابات تتعامل مع الناخب باعتباره أذنا بلا ذاكرة. يطلب منه أن يصدق الآن، وأن يحاسب لاحقا، ثم يؤجل «لاحقا» إلى الحملة التالية.
وبذلك يصبح النسيان شريكا صامتا في إعادة الوعود نفسها. تتغير التواريخ، وتتبدل الصور، وتتجدد الشعارات، بينما تظل الأسئلة القديمة واقفة في الطابور، تنتظر دورها أمام شبابيك مغلقة.
لهذا لا يحتاج اقتراع 2026 إلى مزيد من الحماس بقدر حاجته إلى ذاكرة يقظة. على المواطن أن يقارن الخطاب بالحصيلة، والوعد بالإمكانات، والصورة بالسيرة.
أن يسأل عن التمويل، والأولويات، والآجال، وآليات المحاسبة، لأن الصوت ليس عربون مجاملة، بل تفويض له أثر في الحياة اليومية وفي مستقبل الأجيال.
وعندما يدخل الناخب المعزل، لن يكون وحيدا كما يبدو؛ ستدخل معه سنوات مضت، ووعود سمعت، وحقوق انتظرت، وفرص ضاعت. هناك، بعيدا عن صخب المنصات، يستعيد الصوت وزنه الحقيقي.
فالورقة صغيرة، لكن ما تحمله أكبر من صندوق، إنها الحد الفاصل بين وطن يشترى بالكلام، ووطن يختار مواطنوه من يخدمه بالعقل والمسؤولية.
وعندها فقط، لن تباع للناس الحكاية كلها بثمن ابتسامة، ولن يستيقظوا بعد الاقتراع ليكتشفوا أن الفاتورة سبقت الإنجاز. فالاختيار المسؤول لا يصنع المعجزات، لكنه يمنع بيع المستقبل في سوق الأوهام.




