تفرج معارك اليمن الحاليّة عن قرار اتّخذته الحكومة اليمنيّة تتخلّص به من قرار سابق اكتفى بإدارة اللاحرب. قبل ذلك، بدت جماعة الحوثيّ ممسكة بزمام الأمور، وتتحدّى الداخل اليمنيّ وحكومة البلاد الشرعيّة، وتشاغب في البحر الأحمر وتهدّد الملاحة في مضيق باب المندب.
وحتّى حين تولّت واشنطن ولندن التعامل عسكريّاً مع تلك الأخطار عام 2025 قبل إبرام تفاهمات غامضة مع “الجماعة الحوثيّة”، بقيت حكومة اليمن ساكنة تراقب المشهد وكأنّ مانعاً كان يمنعها.
لسنوات نأت الحكومة بنفسها عن أيّ صراع عسكريّ بدا في مرحلة أنّه شأن دوليّ لا مكان لليمنيّين في تقرير وجهاته. أُبرمت هدنة منحت الجماعة الحوثيّة الوقت لإعادة التسلّح، ومنحت التحالف العربيّ بقيادة السعوديّة فرصة للتحرّر من أعباء انخراطٍ لا بيئة دوليّة حاضنة لحسمه.
وإذ تتبدّل الأحوال وتنخرط القوّات اليمنيّة الشرعيّة هذه الأيّام في قتال متعدّد الجبهات ضدّ ذراع إيران في اليمن، فذلك لأنّ أبجديّات الهدنة انهارت منذ أزمة منع طائرة إيرانيّة من الهبوط في مطار صنعاء إثر قيام مقاتلات يمنيّة بقصف مدرّجاته.
تحرّك يمنيّ بدعم إقليميّ محسوب
جرى ذلك في تمّوز الماضي. وردّ الحوثيّون بقصف العمق السعوديّ وأعلنوا حظراً على السفن المرتبطة بالمملكة، فردّت الرياض بضربات محدودة وأعادت تنشيط الغطاء السياسيّ والعسكريّ للحكومة في عدن. تحدّثت معلومات عن تعزيزات وصلت إلى تعز، وعن مشاورات مع العواصم المعنيّة الكبرى، منها واشنطن طبعاً، عن ولادة أجواء إقليميّة دوليّة داعمة لعملٍ عسكريٍّ يمنيّ ضدّ الجماعة الحوثيّة وشططها.
بدا التحوّل ظاهراً أيضاً في عمليّة إعادة توحيد المعسكر المناهض للحوثيّين بعد تدبير النزاع الداخليّ جنوب البلاد، بما جعل القرار الحكوميّ أكثر انسجاماً لتوفير سقف للتحرّك الميدانيّ.
اندلعت الاشتباكات الأخيرة بعد تقدّم حوثيّ استهدف مواقع في محاولة واضحة لقطع الطريق الرابط بين مدينة تعز وميناء المخا، ثمّ الاقتراب من المرتفعات المطلّة على مضيق باب المندب. ردّت الحكومة اليمنيّة بهجومٍ مضادّ مشترك مع المقاومة الوطنيّة وألوية العمالقة
يرجّح مصدر يمنيّ أنّ القرار الإقليميّ الدوليّ يرعى ما يمكن أن يحيّد الأداة الحوثيّة عن حرب إيران ويحمي الملاحة في البحر الأحمر. ويضيف أنّ القائم بأعمال السفارة الأميركيّة لدى اليمن نيل هوب أكّد خلال لقائه رئيس مجلس القيادة الرئاسيّ اليمنيّ رشاد العليمي، في الرياض في آب الماضي، “دعم الولايات المتّحدة للشراكة مع اليمن في مجالات الأمن البحريّ، ومكافحة الإرهاب، والتصدّي للعدوان الحوثيّ المدعوم من إيران، والذي يهدّد استقرار اليمن وشركاءنا في المنطقة”.
لم يلمّح التصريح إلى “ورشة” لإنهاء الظاهرة الحوثيّة. حتّى السعوديّة التي تعرّضت لِما تعرّضت له من أخطار، وعلى الرغم من لغة ضيوف الفضائيّات من المحلّلين من الرياض التي قد توحي بأنّ حرباً شاملةً تقترب، فإنّها ما زالت متأنّية في موقفها وتقارب التحدّيات بتشكيل ائتلاف بحريّ دفاعيّ.
ولا تبدو المملكة، وفق المصدر اليمنيّ، راغبة حاليّاً، برعاية زحف برّيّ شامل. ورغم أنّ ضجيج الحرب يمنيّ – يمنيّ غير أنّه ليس بعيداً عن الغبار الصاعد من الحرب في إيران. بمعنى آخر، فإنّه يفترض بتكتيكات الحرب في اليمن أن تكون محسوبة ولا تقدّم لإيران أوراقاً غير محسوبة.
الحوثيّون يلوّحون بورقة باب المندب
غير أنّ الحوثيّين يملكون من جهتهم الدفع باتّجاه تقرير حدود الحرب واحتمالات توسيعها. فقد تحوّل مضيق باب المندب إلى ورقة ضعط ارتفعت أسعارها بعد أزمة مضيق هرمز. وإذ كانت حكومة اليمن تملك شرعيّة دوليّة معترفاً بها، فإنّ سيطرة الحوثيّين على مرتفعات تطلّ على المضيق تمنح الميليشيا حقّ فيتو بحريّ يعوّض ضعف شرعيّتها.
فتوسيع الحوثيّين للحرب نحو مأرب والجوف والجزر المتحكّمة بالمضيق، أو استئناف القصف داخل السعوديّة، قد يكون محاولة لاستدراج ردّ إقليميّ أكبر يحوّل المعركة من نزاع يمنيّ إلى جبهة رديفة لحرب إيران.
لا تستبعد المصادر أن تسعى “الجماعة الحوثيّة” للهروب إلى الأمام على منوال ما تفعله طهران. فمن شأن توسيع الحرب، وفق تصوّراتها، إدراجها داخل أيّ تسوية كبرى، والضغط لرفع القيود عن مطار صنعاء وميناء الحديدة، وتخدم في الوقت نفسه حاجة طهران إلى ممرّ ضغط ثانٍ إذا استمرّ الخنق في الخليج.
كانت “رويترز” نقلت في تمّوز الماضي أنّ إيران طلبت من الحوثيّين الاستعداد لإغلاق باب المندب في حال ضربت واشنطن البنية التحتيّة الإيرانيّة. بالمقابل فإنّ الرياض والتحالف العربيّ يأخذان هذا الاحتمال على محمل الجدّ.
وتعترف المصادر السعوديّة المراقبة أنّ الوضع الراهن لم يعد مقبولاً، وأنّ استهداف منشآت المملكة قد تدفع السعوديّة إلى اختيار “الكيّ” علاجاً بعد فشل العلاجات السابقة.
تعتبر مصادر يمنيّة أنّ من واجب الحكومة اليمنيّة مزيداً من الحركة، بعد تأخّر وذلك لعدم ترك الحوثيّين يحتكرون قرار الحرب واللاحرب.
وتضيف أنّ “اليمن الشرعيّ يملك الآن هامش تحرّك واسعاً بأدوات يمنيّة وطنيّة للتعامل مع الجماعة الحوثيّة أينما احتاجت الجبهات إلى ذلك كما هو حاصل هذه الأيّام، والقوّات المسلّحة اليمنيّة قادرة على تحرير كامل المناطق”.
لكنّ المصادر تقرّ بأنّ التحرّك العسكريّ ليس منعزلاً عن مشهد إقليميّ واسع ستقرّر أطرافه مواقيت التسوية وساعة الصفر لأيّ حسم عسكريّ محتمل. لكنّ مصادر أخرى تخلص إلى أنّ ملفّ اليمن قد فُتح ولن يغلق قبل تسويته نهائيّاً.




