
كيف اقتنعتم بها ووجدتم الحلول في نهاية الولاية؟!
لماذا لم تنفذوها وأنتم في موقع القرار؟!
وهل تركتم الأزمة تستفحل وأنتم عندكم الحلول؟!
أم أن البعض كان يتستر على الحلول لغرض ما؟!
أم وقعت معجزة اقتصادية ومالية تبشر بالخير العميم؟!
بدايةً، كم أتمنى أن تكون الوعود صادقة، والأحزاب ملتزمة بها، ورياح الأوضاع تسير في اتجاه الازدهار والرفاه. كما أتمنى أن تسود العدالة الاجتماعية، وينعم المواطن بآثارها، وينال العامل والموظف ما يستحق من الأجر والتحفيز.
غير أن رفع سقف الوعود الانتخابية، والذي يتصدره مقترح رفع الحد الأدنى للأجور (SMIG) إلى 5000 درهم شهرياً، يطرح أكثر من علامة استفهام.
وبينما يحظى المبدأ بتوافق أخلاقي واجتماعي تمليه قسوة الغلاء وصعوبة استقطاب الأيدي العاملة بالمعايير الحالية، فإن إخضاع هذا الوعد لقراءة نقدية تساؤلية يكشف عن بون شاسع بين النوايا الاجتماعية النبيلة وبين الهزات الهيكلية التي قد يلفظها النسيج الاقتصادي.
إذا كانت الأحزاب قررت بهذه السرعة والإصرار أن تعد بحل كل القضايا الاجتماعية، وخاصة رفع الحد الأدنى للأجور، وهي التي تدبر كل القطاعات وتعرف كل الأرقام والمؤشرات، فلماذا لم تقم بها أثناء الولاية الحكومية وهي ترى معاناة المواطنين والأسر والعمال وانعكاساتها على الأمن والاستقرار، وهي تملك الحل في كل شيء كما تعد بذلك اليوم، في الأجور، والغلاء، والتشغيل، والسكن، والنقل، والتقاعد، والدعم الاجتماعي، والتعليم، والصحة، والشباب..
إن هذه ليست مجرد وعود عابرة، بل ترفعها حتى أحزاب الأغلبية التي كانت تخطط وتبرمج وتدبر وترى الأزمة تتشعب والفجوات تتوسع وهي تملك كل هذه المفاتيح.
أليس هذا غريبا ومحيرا ومثيرا للريبة والشك في النوايا والكفاءة والجدية؟ أم أن حرارة أجواء الانتخابات، ومنطق “المقعد بأي ثمن” جعلها تنسى مسؤولياتها وأين كانت، ولا تبالي بخطورة الوعود وأثرها العكسي على الوضع في البلاد؟ أم هل وقعت معجزة اقتصادية بين عشية وضحاها تبشر بجودة المؤشرات المالية والاقتصادية للشركات، وأفضل التوقعات المالية للدولة والجماعات الترابية، والرفع من القدرة الشرائية للمواطنين؟
وعند وضع وعد رفع الحد الأدنى للأجور على محك الواقع الاقتصادي والمالي، وبعيداً عن صخب المزايدات السياسية، تتكشف محاذير وتساؤلات جوهرية يتداولها الخبراء والمهنيون، بل يتهامس بها حتى مسؤولون في إدارات وقطاعات معنية .
أولاً: عسر المفاوضات ومأزق التوافق الثلاثي
القرار ليس مرسوماً أحادياً، بل يتطلب مخاضاً شاقاً في إطار الحوار الاجتماعي المؤسساتي بين الحكومة، اتحاد المقاولات (CGEM)، والمركزيات النقابية. قفزة بهذا الحجم تفوق كل التوقعات وستصطدم برفض قاطع من القطاعات الاقتصادية التي ستعتبر الرقم تهديداً وجودياً لاستمراريتها، مما يجعل التوافق الوطني متعذرا ويضع الحكومة أمام مأزق سياسي واجتماعي.
ثانياً: التأثير المالي المباشر على المتدخلين
يؤدي فرض زيادة ضخمة في الحد الأدنى للأجور إلى ضغوط مالية فورية وواسعة النطاق، تتوزع بين تضخم كتلة الأجور في المقاولات واختناق ميزانيات الدولة والجماعات الترابية، فضلاً عن تداعياتها المباشرة على القطاع البنكي وتبخر أثر الزيادة عبر التضخم الاستهلاكي.
– المقاولات والشركات: تضخم حاد في كتلة الأجور يبتلع هوامش الأرباح ويحدث اختلالاً في هرم الأجور، فضلاً عن مواجهة المقاولات الصغرى والمتوسطة لخطر وجودي يدفعها نحو الإغلاق الحتمي وتقويض التعددية الاقتصادية.
– الأجور الحوافز: تضييق الفجوة بشكل مفرط بين أجور العمال المبتدئين والأطر المتوسطة، مما يضرب حوافز الكفاءة والترقي المهني ويخلق حالة من الإحباط الوظيفي لغياب التناسب بين حجم المسؤولية ومستوى الأجر.
– ميزانية الدولة والقطاع العام: ارتفاع كلفة المشاريع الكبرى وصفقات البنيات التحتية، يوازيه انفجار محتمل في كتلة الأجور العمومية لامتصاص مطالب تعديل السلاليم الدنيا، مما يلتهم مخصصات الاستثمار.
– الجماعات الترابية والخدمات: اختناق ميزانيات المدن والجهات تحت وطأة مطالب شركات التدبير المفوض (النظافة، النقل الحضري، والمساحات الخضراء) بررفع العقود ومثلها قطاعات توزيع الماء والكهرباء.
– القطاع البنكي: موجة الإعسار وإغلاق المقاولات المتعثرة ستنعكس فورياً عبر ارتفاع قياسي في حجم القروض البنكية المتعثرة وتهديد الاستقرار المالي.
– القدرة الشرائية للمواطن: انتقال العبء التمويلي للزيادة مباشرة إلى السوق عبر رفع أسعار السلع والخدمات، لِيُفرغ التضخم أثر الزيادة سريعاً.
ثالثاً: الانعكاسات الاقتصادية والهيكلية
تتسبب القفزة غير المدروسة للأجور في هزات هيكلية عميقة تمس النسيج الاقتصادي، أبرزها تسريع التحول نحو الأتمتة والتكنولوجيا على حساب العمالة، وتراجع التنافسية الخارجية للاستثمارات، وتهديد استقرار الشغل النسوي، وتوسيع نطاق الاقتصاد غير المهيكل.
– الاستبدال التكنولوجي والميكنة: تسريع توجه الشركات نحو الأتمتة والحلول الرقمية لتقليص فاتورة الأجور الباهظة، مما يحول الوعد التشغيلي إلى مسبب رئيسي للبطالة الصريحة وتسريح العمالة.
– فقدان التنافسية الخارجية: تراجع جاذبية الاستثمارات الأجنبية المباشرة في القطاعات كثيفة العمالة كالنسيج، صناعة السيارات، وترحيل الخدمات.
– هشاشة الشغل النسوي: تعريض الوحدات المعتمدة أساساً على عمالة نسائية واسعة ومعتمدة على الأجور الدنيا لخيار الإغلاق الشامل أو التسريح الجماعي.
– الضغط على الميزان التجاري: ارتفاع كلفة الإنتاج المحلي يفقد الصناعات الوطنية قدرتها على التنافس ليس فقط في الأسواق الخارجية، بل حتى في السوق المحلية أمام المنتجات المستوردة.
– تضخم الاقتصاد غير المهيكل: لجوء المقاولات الهشة للعمل في “الظل” هرباً من التصريح الإجباري لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والجبايات.
إن الوعود برفع الأجور إلى 5000 درهم دون دراسة إكتوارية شاملة وحوار متوازن، قد تحول “طوق النجاة” الاجتماعي إلى فخ أو طعم ليس إلا.
إن الوعود عهود، والمسؤولية أمانة؛ وإن التوازن الدقيق والرفيع بين مصالح الدولة، وكرامة المواطن، وحصانة المجتمع هو خيط ناظم لا يقبل العبث، ولا يستقيم معه أبداً التراشق بالوعود الانتخابية الوهمية، تماماً كما لا يقبله التنصل من المسؤولية أو الاختباء خلف الاتهامات المتبادلة.
فالعدالة الاجتماعية الحقيقية لا تُبنى أبداً على هدم استدامة الاقتصاد الوطني ومقاولاته، ولا تُحقق بشعارات تُطلق اليوم لتُنسى غداً على حساب استقرار الوطن ومستقبل أبنائه.
ورغم هذه التساؤلات والمحاذير، فإنني ككل مخلص غيور يتمنى أن تحدث المعجزة وتتحقق الوعود وينال المواطن عامة والعامل خاصة ثمارها وبركاتها ويسعد الوطن بالازدهار والاستقرار.
وإنا غداً لناظره لقريب.



