سياسةمجتمع
أخر الأخبار

«الفراقشية».. حين تتحول مسؤولية الحكومة إلى سؤال عن المال العام أو حين يصبح المال العام بلا صاحب

سؤال أكثر أهمية: لماذا لم تكن آلية الدعم مرتبطة منذ البداية بمؤشرات واضحة لقياس أثرها على الأسعار وعلى المستهلك وعلى القطيع الوطني؟..

أيوب الهاشمي

في النقاش الذي رافق ما أصبح يعرف إعلامياً بـ«ملف الفراقشية»، وقع كثير من الخلط بين مفاهيم مختلفة: بين الكسّاب المغربي الذي ينتج ويربي المواشي، وبين المستورد الذي استفاد من آلية دعم الاستيراد، وبين الدعم المباشر، والإعفاءات الجمركية والضريبية.

والحقيقة أن تفكيك هذا الملف يقتضي أولاً تحديد المسؤوليات بدقة، لأن المال الذي جرى إنفاقه لم يكن مالاً خاصاً، وإنما مالاً عمومياً، والقرار لم يكن قرار مستوردين، بل سياسة حكومية.

فالدولة هي التي قررت دعم استيراد الأغنام، من خلال منح 500 درهم عن كل رأس مستورد في إطار الآلية المعتمدة، بهدف معلن يتمثل في توفير العرض وضمان تموين السوق والحفاظ على القدرة الشرائية للمواطنين، خصوصاً بمناسبة عيد الأضحى.

لكن المستفيد المباشر من مبلغ الـ500 درهم لم يكن المواطن ولا الكسّاب المحلي الذي يربي القطيع، وإنما المستورد الذي كان يقوم بإدخال المواشي إلى التراب الوطني وفق الشروط المحددة.

وهنا تبدأ المسؤولية السياسية الحقيقية.

فالقرار لم يكن قرار وزارة الفلاحة وحدها، كما أنه لم يكن قرار وزير الميزانية منفرداً، وإنما جاء في إطار قرار مشترك بين وزارة المالية ووزارة الفلاحة. وهذا المعطى مهم للغاية، لأنه يجعل محاولة اختزال الملف في مسؤولية قطاع واحد أو في مسؤولية المستوردين وحدهم أمراً غير دقيق.

وزارة الفلاحة كانت معنية بالجانب القطاعي المرتبط بالقطيع والتموين والاستيراد، بينما كانت وزارة المالية، ومن ضمنها الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، طرفاً في الجانب المالي للآلية.

ولذلك فإن مسؤولية وزير الميزانية لا تعني أنه كان يختار المستوردين أو يدير عملية استيراد المواشي بشكل مباشر، وإنما تعني أنه كان طرفاً في هندسة الإطار المالي الذي موّل هذه السياسة العمومية.

والأهم من ذلك أن الوزير المنتدب المكلف بالميزانية نفسه أقر أمام البرلمان بأن دعم الـ500 درهم للرأس لم يحقق النتائج المنتظرة، وأن الحكومة قررت التخلي عنه بعد أن تبين محدودية أثره.

وهنا يصبح السؤال مشروعاً، بل ضرورياً: إذا كانت الحكومة قد أنفقت المال العام من أجل تحقيق هدف محدد، ثم تبين لاحقاً أن الآلية لم تحقق النتائج المنتظرة، فمن يتحمل المسؤولية السياسية عن اختيار هذه الآلية أصلاً؟ وعلى أي أساس تم تحديد مبلغ 500 درهم للرأس؟ وما هي الدراسات والفرضيات الاقتصادية التي بني عليها هذا القرار؟ وما هي آليات التتبع التي وضعت للتأكد من أن الدعم سيصل أثره إلى المواطن، وليس فقط إلى هامش ربح المستورد؟.

الأرقام الرسمية تساعد على فهم حجم القضية. فقد أعلنت وزارة الفلاحة أن الدعم المباشر لاستيراد الأغنام الموجهة لعيد الأضحى خلال سنتي 2023 و2024 بلغ 437 مليون درهم: 193 مليون درهم سنة 2023 و244 مليون درهم سنة 2024، استفاد منها ما مجموعه حوالي 875 ألف رأس، من خلال 156 مستورداً، 61 منهم سنة 2023 و95 سنة 2024.

وبعملية حسابية بسيطة، فإن 875 ألف رأس مضروبة في 500 درهم تعطي حوالي 437.5 مليون درهم، وهو ما ينسجم تقريباً مع الرقم الرسمي المعلن.

لكن الـ437 مليون درهم ليست كل القصة.

فهناك أيضاً آلية أخرى تمثلت في تعليق الرسوم الجمركية والضريبة على القيمة المضافة على استيراد المواشي. وهذه ليست دعماً نقدياً مباشراً بقيمة 500 درهم للرأس، وإنما إجراء مالي وجبائي آخر لتخفيض تكلفة الاستيراد.

ولذلك فإن الحديث عن أرقام ضخمة مثل 13 مليار درهم يستوجب أولاً تحديد ما إذا كان المقصود هو الدعم النقدي المباشر، أم قيمة الواردات، أم مجموع الإعفاءات والمزايا الجبائية، لأن جمع هذه العناصر في رقم واحد دون تمييز بينها يخلق صورة مضللة عن حجم الدعم الحقيقي.

والسؤال الأهم هنا: لماذا تم اختيار دعم المستورد كأداة للتدخل، بدل توجيه الدعم مباشرة إلى الكسّاب المغربي الذي يتحمل أصلاً تكاليف التربية والأعلاف والماء والبيطرة ويحافظ على القطيع الوطني؟

هذه المقارنة ليست تفصيلاً تقنياً.

فالكسّاب المحلي هو الذي ينتج الثروة الحيوانية داخل المغرب، بينما المستورد يتدخل أساساً لسد خصاص في العرض.

ولذلك فإن سياسة عمومية تهدف إلى معالجة أزمة القطيع لا يمكن تقييمها فقط بعدد الرؤوس التي تم استيرادها، وإنما يجب أن تقاس أيضاً بقدرتها على إعادة بناء القطيع الوطني وتقوية الإنتاج المحلي وتقليص التبعية للاستيراد.

وهنا تظهر المفارقة: الدولة خصصت مئات الملايين من الدراهم لدعم الاستيراد، في الوقت الذي كان فيه الكسّاب المغربي يحتاج إلى دعم مباشر ومستدام يساعده على الحفاظ على قطيعه وإعادة تكوينه.

ولذلك من الضروري التمييز بين هذا الدعم وبين الإجراءات التي اتخذتها الدولة لاحقاً لصالح مربي الماشية. ففي ماي 2025، أعلنت وزارة الفلاحة عن برنامج لإعادة جدولة ديون مربي الماشية، استفاد منه حوالي 50 ألف مربٍ، بكلفة تقارب 700 مليون درهم تتحملها الدولة، مع إلغاء 50% من الديون، أصلاً وفوائد، بالنسبة للديون التي تقل عن 100 ألف درهم. وكانت هذه الفئة تمثل حوالي 75% من المستفيدين.

أي أننا أمام سياسات مختلفة وأهداف مختلفة: دعم الاستيراد من جهة، ودعم مربي الماشية وإعادة تكوين القطيع من جهة أخرى.

ومن هنا فإن النقاش الجدي لا ينبغي أن يتحول إلى محاكمة سياسية للمستوردين، ولا إلى اتهام شخص بعينه دون أدلة، وإنما يجب أن يتجه إلى جوهر المسألة: كيف صممت الدولة سياسة الدعم؟ ومن حدد شروطها؟ ومن راقب تنفيذها؟ وهل حققت أهدافها؟.

وبالنسبة إلى الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، فإن السؤال السياسي المشروع ليس: «هل أعطى فوزي لقجع المال للفراقشية؟» فهذا تبسيط لا يعكس طبيعة الاختصاصات الحكومية.

السؤال الأدق هو: بما أن وزارة المالية كانت طرفاً في القرار المشترك، وبما أن الوزير المكلف بالميزانية كان مسؤولاً عن الجانب المالي للسياسة، وبما أنه أقر أمام البرلمان بأن دعم 500 درهم للرأس لم يحقق النتائج المنتظرة، فمن يتحمل المسؤولية السياسية عن تصميم هذه الآلية؟.

ثم سؤال أكثر أهمية: لماذا لم تكن آلية الدعم مرتبطة منذ البداية بمؤشرات واضحة لقياس أثرها على الأسعار وعلى المستهلك وعلى القطيع الوطني؟.

هذه هي الأسئلة التي تستحق أن تطرح في البرلمان، لأن جوهر الديمقراطية ليس فقط معرفة من استفاد من المال العام، وإنما أيضاً معرفة من اتخذ القرار، وعلى أي أساس، ومن راقب النتائج، ومن يتحمل المسؤولية عندما لا تحقق السياسة العمومية أهدافها.

وفي النهاية، لا ينبغي أن يكون النقاش حول «الفراقشية» بحثاً عن كبش فداء، وإنما بحثاً عن المسؤولية السياسية في تدبير المال العام.

فالـ437 مليون درهم ليست رقماً مجرداً. إنها أموال عمومية كان يفترض أن تحقق هدفاً محدداً. وإذا كانت الحكومة نفسها قد أقرت بأن الآلية لم تحقق النتائج المنتظرة، فإن حق المغاربة في السؤال والمساءلة لا يحتاج إلى اتهام أحد، بل يستند ببساطة إلى مبدأ واضح: “من ينفق المال العام مطالب بأن يجيب عن نتائجه”.

* الكاتب العام لشبكة المينا لاثينا

https://anbaaexpress.ma/d7fo8

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى