آراءسياسة
أخر الأخبار

الدولة الشحّادة..

لبنان لا يحتاج إلى من يتصدّق عليه. يحتاج إلى من يتوقف عن سرقته وتعطيله وإذلاله. يحتاج إلى دولة تستدعي أموال اللبنانيين وعقولهم إلى الاستثمار، لا إلى مسؤول يستدعي السفراء لتغطية عجز صنعه هو ونظامه

ثمة فرق بين دولة فقيرة ودولة تتسوّل. الفقر قد يكون قدراً، أما التسوّل فقرار سياسي. ولبنان، بكل ما يملكه من بشر ومال وانتشار وفرص، ليس بلداً فقيراً بقدر ما هو بلد تحكمه طبقة قررت أن ترتدي ثياب الشحّاذ، ثم راحت تجوب عواصم العالم مادّةً يدها باسم شعب لم يفوّضها يوماً أن تتسوّل باسمه.

المشهد اللبناني صار أقرب إلى الكوميديا السوداء. مسؤول يصل إلى اجتماع طلب المساعدة بموكب من السيارات الفارهة، وحرس ومرافقين، ثم يجلس خلف الطاولة ليشرح للمانحين أن الدولة لا تملك ثمن حاجاتها الأساسية. ينتهي الاجتماع، يعود إلى سيارته، ويغادر الموكب ليبحث عن صدقة جديدة.

لو أن موليير عاش في لبنان، لأغلق المسرح. الواقع هنا أكثر سخرية من أن ينافسه كاتب أو مسرحية هزلية.

نحن نتحدث عن بلد فيه عشرات من أصحاب الثروات الضخمة وآلاف المليونيرات، وعن شعب منتشر من أفريقيا إلى الأميركيتين، والخليج، وأوروبا، وأستراليا. لبنانيون بنوا شركات ومصارف ومصانع وشبكات تجارية، وأداروا مؤسسات عالمية، ونجحوا تحت كل سماء تقريباً، إلا تحت سماء دولتهم.

المفارقة فاضحة. اللبناني يستطيع أن يصنع الثروة في القارات الخمس، لكن دولته لا تستطيع أن تصنع إدارة محترمة على عشرة آلاف كيلومتر مربع.

لبنان يملك البحر والمرافئ والموقع والجامعات والمواهب والاغتراب والسياحة والثقافة والخدمات، ويملك قبل ذلك كله إنساناً أثبت قدرته على النجاح حيثما وُضعت أمامه دولة تحترم القانون.

ما ينقصه ليس المال ولا العقول ولا الفرص. تنقصه سلطة تعرف الفرق بين الخزينة والجيب، وبين الدولة والغنيمة.

لكن طبقتنا الحاكمة ابتكرت نموذجاً اقتصادياً أكثر راحة. لماذا نبني دولة إذا كان في الإمكان استجداء واحدة؟

مرة نطلب الكهرباء، ومرة الدواء، ومرة القمح، ومرة الوقود، ومرة تجهيزات للجيش أو الإدارة أو المؤسسات. ولم يعد سقف الإهانة مرتفعاً، وصل الأمر إلى الاحتفاء أحياناً بهبات متواضعة وأشياء مستعملة كما لو أن الجمهورية تلقت مفاتيح مصنع للطائرات.

 إنها عقلية “هاتوا ما عندكم”. حتى الخردة تصبح إنجازاً إذا أُرفقت بصورة تذكارية.

الأطرف أن المتسوّل الرسمي ليس زاهداً. للدولة الشحّادة مواكب لا تليق بالشحاذين. سيارات سوداء، زجاج داكن، عناصر أمن، محركات لا تنطفئ، مكاتب ومخصصات وسفر، ووفود، واستقبالات، وبروتوكولات.

نحن أمام شحّاذ يرتدي ساعة فاخرة، وفي يده سيجار كوبي، يصل إلى بابك بسيارة فارهة، ثم يطلب منك ثمن رغيف.

لو جُمعت كلفة جزء من هذا الاستعراض السنوي، مواكب المسؤولين، سياراتهم، وقودهم، حراساتهم، سفراتهم وامتيازاتهم، لأمكن معالجة ملفات يطوف وزراؤنا العالم طالبين المال لها.

لكن المسألة أعمق من بضعة ملايين تُهدر هنا وهناك. إنها ثقافة حكم كاملة.

الدولة التي تعتاد الهبات تفقد بالتدريج غريزة الإنتاج. والمسؤول الذي يعرف أن سفيراً أو صندوقاً أو دولة صديقة ستسدّ الحفرة، لن يسأل نفسه لماذا توجد الحفرة أصلاً. هكذا يتحول العجز إلى وظيفة، والفشل إلى مورد، والانهيار إلى حجة لجمع المزيد من المساعدات.

يُروى عن متسوّل كان يجلس كل يوم أمام متجر رجل ثري. سأله الرجل مرة: “ألا تفكر في العمل؟”. فأجابه: “ولماذا أغيّر مهنة أعرف أنها تربح؟”.

قد تكون الحكاية نكتة، لكنها تصلح بياناً وزارياً لبنانياً.

المشكلة أن الذي يتسوّل هذه المرة ليس فرداً على الرصيف، بل سلطة وضعت بلداً كاملاً في قبعتها ومدّتها أمام العالم.

لبنان لا يحتاج إلى من يتصدّق عليه. يحتاج إلى من يتوقف عن سرقته وتعطيله وإذلاله. يحتاج إلى دولة تستدعي أموال اللبنانيين وعقولهم إلى الاستثمار، لا إلى مسؤول يستدعي السفراء لتغطية عجز صنعه هو ونظامه.

فالأمم لا تصبح محترمة بكثرة أصدقائها المانحين، بل بقدرتها على الاستغناء عن صدقاتهم.

أما هذه السلطة، فقد نجحت في إنجاز ربما يستحق التسجيل باسمها: أخذت شعباً يستطيع أن ينجح في كل مكان في العالم، وبلداً كان يستطيع أن يكون من أغنى دول المنطقة، ثم وقفت به على أبواب الآخرين تقول: “لله يا محسنين.. ساعدوا دولةً أكل حكّامها عشاءها، وجاؤوا يطلبون منكم ثمن الفطور”.

https://anbaaexpress.ma/pirhr

شادي منصور

كاتب لبناني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى