الدكتور أنور الشرقاوي و بمساهمة البروفسور ليلى الحسيسن والدكتورة إيزابيل فيلاداري VILLADARY
بين 1 و5 شتنبر 2026، احتضن المغرب دورة جديدة للتكوين في مجال سرطان الأطفال، استفاد منها 130 أطباء ومهنيون صحيون ينتمون إلى 22 بلد إفريقي.
التكوين أكثر، والتكوين الأفضل، والأهم من ذلك تكوين يستجيب للخصوصيات الاجتماعية والثقافية للمجتمعات الإفريقية في مجال طب أورام الأطفال، لم يعد هذا المطلب شأناً وطنياً صرفاً، بل أصبح أحد التحديات الكبرى التي تواجه مكافحة سرطان الأطفال في إفريقيا، حيث ما تزال الحاجيات كبيرة، كما أن الولوج إلى التكفل المتخصص يظل متفاوتاً بشكل عميق بين البلدان والمناطق.
في الرباط، يسعى الدبلوم الجامعي في طب أورام الأطفال (DUCP) إلى تقديم إجابة مستدامة عن هذا الواقع.
ويشرف على هذا البرنامج كل من جامعة محمد الخامس بالرباط وجامعة باريس-ساكلاي، بمشاركة المجموعة الفرنسية-الإفريقية لطب أورام الأطفال (GFAOP)، ومؤسسة سانوفـي Sanofi Fundation، والجمعية المغربية لأمراض الدم والأورام لدى الأطفال، وجمعية المستقبل (L’Avenir).
ولم يعد هذا البرنامج يندرج فقط ضمن إطار التكوين الطبي الأكاديمي، بل أصبح يحمل طموحاً أوسع يتمثل في المساهمة في بناء كفاءات إفريقية قادرة على الاستمرار في الميدان، وعلى تطوير قدرات بلدانها في مجال تشخيص وعلاج سرطان الأطفال.
130 مهنياً طبيا وصحيا من 22 بلداً إفريقياً
أصبحت الأبعاد الإفريقية للدبلوم الجامعي المغربي في طب أورام الأطفال لكلية الطب بالرباط واقعاً ملموساً. فقد استفاد إلى حد الآن 130 مهنياً ينتمون إلى 22 بلداً إفريقياً من هذا التكوين.
وهي دينامية تمنح الرباط مكانة خاصة في تطوير خبرة إفريقية في مجال طب أورام الأطفال.
وتحت إشراف الأستاذة ليلى الحسيسن، أستاذة طب أورام الأطفال بكلية الطب والصيدلة بالرباط، تجمع الدروس بين المعارف النظرية، وتحيين الممارسات الطبية، والمراجعة والتقييم.
وتجسد الدورة الأخيرة الخاصة بالوحدتين الثانية والثالثة، والمنظمة من 1 إلى 5 شتنبر بكلية الطب والصيدلة بالرباط، هذه المقاربة بوضوح.
فقد تعمق المشاركون في دراسة عدد من السرطانات الرئيسية التي تصيب الأطفال، من بينها الأورام اللمفاوية، وسرطانات الدم الحادة، وورم ويلمز الكلوي، والورم الأرومي الكبدي، والورم الأرومي العصبي، وأورام العظام، والأورام الخبيثة ذات الخلايا الجنسية.
لكن وراء هذه التقنية الطبية الدقيقة، يوجد طموح أوسع بكثير: تعزيز القدرات الإفريقية بشكل مستدام لتشخيص الأطفال المصابين بالسرطان، وتوجيههم نحو مراكز التكفل المناسبة، وعلاجهم وفق المعايير العلمية الحديثة.
وتنطلق فلسفة الدبلوم، كما تؤكد الأستاذة ليلى أحسيسن، من واقع بسيط لكنه حاسم: ففي البلدان ذات الموارد المحدودة، لا يزال النقص في المهنيين الصحيين المؤهلين بشكل كاف يشكل عائقاً رئيسياً أمام توفير تكفل طبي ذي جودة.
فتكوين طبيب قادر على التعرف المبكر على علامات السرطان، وتوجيه الطفل بشكل صحيح، وتطبيق البروتوكولات العلاجية المناسبة، والعمل ضمن فريق طبي متعدد التخصصات، يمثل استثماراً طويل الأمد في صحة الأطفال.
التكوين بدل الاكتفاء بالمساعدة
تعكس هذه المقاربة تحولاً مهماً في مفهوم التعاون الطبي. فالأمر لم يعد يتعلق فقط بإرسال خبراء، أو معدات، أو أدوية بشكل ظرفي، وإنما أصبح يتعلق أساساً بنقل المعرفة والخبرة وبناء القدرات المحلية.
وهنا تحديداً تكمن الأهمية الإفريقية للدبلوم الجامعي المغربي في طب أورام الأطفال.
وتساهم مشاركة المجموعة الفرنسية-الإفريقية لطب أورام الأطفال GFAOP، التي راكمت خبرة مهمة في تطوير الكفاءات وشبكات التكفل بأورام الأطفال في إفريقيا، في إدماج هذا الدبلوم ضمن دينامية أوسع للتعاون الصحي الإقليمي.
كما يستفيد التكوين من انفتاح دولي يجمع بين الخبرة المغربية والفرنسية والإفريقية، بما يسمح بمقارنة التوصيات والمعايير العلمية الدولية مع واقع الأنظمة الصحية المختلفة.
فالمعارف الطبية قد تكون عالمية، لكن تطبيقها لا يمكن أن يتجاهل الخصوصيات المحلية: عدد الأطباء المتخصصين، وإمكانية الولوج إلى الفحوصات التشخيصية، وتوفر الأدوية، والتجهيزات الطبية، والموارد الاستشفائية، وتنظيم مسارات العلاج والتكفل.
التكوين وحده لا يكفي
غير أن الأستاذة ليلى أحسسن تذكر بحقيقة أساسية: التكوين وحده لا يكفي.
فلكي تتحول المعرفة إلى علاج فعلي، لا بد من توفير البنيات التحتية، والتجهيزات، والأدوية التي يمكن الولوج إليها، والفرق الطبية متعددة التخصصات، وشبكات علاج منظمة ومترابطة.
وبذلك، يتدخل الدبلوم في إحدى الحلقات الأساسية في سلسلة التكفل، وهي الكفاءات البشرية.
لكن هذه الحلقة ينبغي أن تكون مرتبطة بباقي الحلقات حتى يستفيد الطفل فعلياً من تكفل طبي يستجيب لمعايير الجودة.
ومن هذا المنطلق، تكتسب الشراكة مع مؤسسة سانوفـي Sanofi Fundation وباقي الفاعلين المنخرطين في هذه المبادرة أهمية خاصة.
فدعم الفئات الهشة يمكن أن يأخذ اليوم بعداً جديداً؛ إذ لا ينبغي أن يقتصر على التمويل الظرفي، بل يمكن أن يساهم في تطوير الكفاءات، وهيكلة الفرق الطبية، وبناء قدرات محلية مستدامة.
وقد تجسد انخراط مؤسسة سانوفـي في إفريقيا، بشكل خاص، في الرباط سنة 2023، من خلال تنظيم مؤتمر إفريقي حول سرطان الأطفال بشراكة مع المجموعة الفرنسية-الإفريقية لطب أورام الأطفال. GFAOP.
وتندرج هذه الدينامية ضمن الهدف العالمي الرامي إلى الرفع بشكل كبير من فرص بقاء الأطفال المصابين بالسرطان على قيد الحياة في أفق سنة 2030.
وتحمل الدكتورة إيزابيل فيلاداري Isabelle VILLADARY، من مؤسسة سانوفـي، هذه الرؤية، باعتبارها طبيبة التكوين ومتخصصة في الصحة العمومية، ومنخرطة في تحسين التكفل بالأطفال والشباب الذين يعانون من أمراض خطيرة، ولا سيما سرطانات الأطفال في إفريقيا.
من الرباط نحو إفريقيا
يفرض هذا التطور سؤالاً استراتيجياً: هل يستطيع المغرب أن ينتقل من مجرد شريك في التعاون الطبي إلى لعب دور منصة إفريقية حقيقية للتكوين في المجال الصحي؟.
فكليات الطب المغربية، والمراكز الاستشفائية الجامعية، والكفاءات المتخصصة، والتجربة المتنامية للمغرب في مجال التعاون الصحي مع البلدان الإفريقية، كلها عناصر تمنحه مؤهلات مهمة للاضطلاع بهذا الدور.
ويشكل الدبلوم الجامعي المغربي في طب أورام الأطفال (DUCP) تجربة لافتة في هذا السياق.
فهدفه لا يقتصر على تكوين أطباء داخل المغرب، وإنما يتجاوز ذلك إلى تمكين هؤلاء المهنيين من العودة إلى بلدانهم حاملين معهم كفاءات وخبرات يمكن أن تساهم في تعزيز أنظمتهم الصحية المحلية، والأثر بدأ يظهر بالفعل على أرض الواقع.
فبين 2014 و2025، تم إحداث وحدات جديدة متخصصة في علاج أورام الأطفال في المغرب وفي عدد من البلدان الإفريقية، بمبادرة من خريجي الدبلوم الجامعي في طب أورام الأطفال بكلية الطب والصيدلة بالرباط.
وهذه المعطيات تمنح الدبلوم بعداً عملياً إفريقيا ملموساً. فالتكوين لا تبلغ قيمته الحقيقية عندما تبقى المعرفة حبيسة المدرجات وقاعات الدرس، وإنما عندما تنتقل إلى المستشفيات، وإلى الفرق الطبية، وفي النهاية إلى الأطفال الذين يحتاجون إلى العلاج.
نحو شبكة إفريقية للكفاءات
قد يتجاوز مستقبل الدبلوم الجامعي في طب أورام الأطفال، فالرهان المقبل يتمثل في ترسيخ شبكة من الخريجين، وتشجيع تبادل الخبرات، وتطوير التعاون بين الفرق الطبية، والحفاظ على التواصل بين المهنيين الأفارقة حتى بعد انتهاء تكوينهم، كما تشير الدكتورة إيزابيل فيلاداري VillaDary.
أي الانتقال تدريجياً من الدبلوم إلى الشبكة
ويمكن لمثل هذه الشبكة أن تتحول إلى فضاء دائم لتبادل المعرفة، ومناقشة الحالات الطبية المعقدة، والتعاون العلمي، وتقديم الدعم المتبادل بين مهنيين يواجهون التحديات نفسها في مجال علاج سرطان الأطفال.
وربما هنا تكمن الطموحات الحقيقية لهذا الدبلوم: المساهمة في بروز خبرة إفريقية في طب أورام الأطفال، يتم بناؤها مع الأفارقة ولصالح الأطفال الأفارقة، مع مراعاة واقع الأنظمة الصحية الإفريقية.
فبالنسبة إلى الأطفال المصابين بالسرطان، يتجاوز الرهان بكثير حدود الجامعة والتكوين الأكاديمي.
فوراء كل طبيب تم تكوينه، وكل فريق طبي تم تقويته، وكل وحدة علاجية تم إحداثها، توجد إمكانية لتشخيص المرض في مرحلة أبكر، وتوجيه الطفل بشكل أسرع، واعتماد علاج أكثر ملاءمة، وفي نهاية هذه السلسلة، منح طفل مصاب بالسرطان فرصة إضافية للنجاة.
وهكذا، يأخذ التكوين الطبي في الرباط بعداً جديداً؛ إذ يتحول إلى أداة للتعاون الإفريقي، ونقل الخبرات، وتعزيز قدرات الأنظمة الصحية.
التكوين اليوم من أجل علاج أفضل غداً
ولعل هذه هي الطريقة التي تستطيع بها الرباط المساهمة في كتابة صفحة جديدة في مسار مكافحة سرطان الأطفال في إفريقيا، كما تؤكد الأستاذة ليلى الحسيسن والدكتورة إيزابيل فيلاداري Isabelle VILLADARY.




