آراء
أخر الأخبار

أحرق حيا..!

نرى التاريخ الانساني حافل بتعذيب الانسان وحرقه من أجل رأيه أو دفعه الى تجرع السم

حاليا ضجة في المغرب حول رجل تمرد على نحو عنيف ضد المفاهيم التقليدية فكيف للنبي محمد ص أن يكون أميا لايعرف القراءة والكتابة وما معنى الطقوس الميتة ووصف شخصيات سلفية ذات وزن أنها دابة.

وهذا النموذج يتكرر عبر التاريخ بصور شتى وتحت مظلة كل الديانات والمذاهب.

في الثالث من نوفمبر 1411 م أُعتقل المصلح الديني (جان هوس JAN HUS) التشيكي وأُخضع لحفلة تحقيق جهنمية من أجل كتاباته وأُدين في 6 يوليو 1415 م بسبب ثلاثين جملة اعتبرت (هرطقة) وحكم بأن يحرق (حياً) على النار ذات الوقود، ونفذ الحكم في نفس يوم إصداره.

وفي 27 اكتوبر 1553 م أدين الطبيب الاسباني (ميشيل سرفيتوس MICHEL SERVETIOS) مكتشف الدورة الدموية الصغرى بسبب قوله بالتوحيد وتعميد البالغين، فلايعقل تلقين العقيدة لمن لايعقل، وتكليف اللامسؤول بالمسؤولية، أو أن الرب انشطر الى ثلاثة أجزاء بدون أن ينشطر؟ وكان خلف اصدار الحكم (كالفن) المؤسس الرئيسي للبروتستانتية في سويسرا، ولم تشفع له دموعه وتوسلاته في تحويل الحكم الى الشنق أو قطع الرأس بالمنشار والسيف والنطع، فالنار أطهر للبدن وأزكى للروح فأُحرق (حياً) وكالفن ومن معه عليها شهود لايهتز لهم رمش عين.

وفي 21 آذار 1556 م كان المصلح الديني البريطاني (توماس كرامر THOMAS CRAMMER) يشغل منصب (اسقف كانتربري) أول مترجم للانجيل الى اللغة الانكليزية يضبط على آرائه الخطيرة في الاصلاح الفكري، يساق الى المحرقة ليشوى على نار هادئة وجمع غفير عليها قعود يتأملون زفرات الألم مع حشرجة الروح، في تضاعيف الدخان المتصاعد.

وفي 19 فبراير عام 1600 م مع فجر القرن السابع عشر كان المصلح الديني (جيوردانو برونو) الايطالي على موعد مع  نفس المصير؛ فأحرق على ألسنة اللهب المتصاعدة (حياً) عن عمر 52 سنة، بعد اعتقال مضني دام ثماني سنوات في الفاتيكان، والخضوع لكل أنواع التساؤلات؛ ليتم اصطياده برأيه الكوسمولوجي عن كون بدون حدود، ومجرات لانهائية تتزاحم في الملأ العلوي: قال الرجل في كتابه عن اللانهائي والكون والعوالم الذي نشر عام 1584م  حول لا نهائية الكون وتعدد العوالم.): (الأرض ليست مركز العالم ولا الشمس، وفيما وراء العالم الذي نراه عوالم أخرى الى مالانهاية، وربما كانت هناك كواكب كثيرة تسكنها كائنات حية ذكية فهل مات المسيح من أجلهم كذلك؟).

كما نرى التاريخ الانساني حافل بتعذيب الانسان وحرقه من أجل رأيه أو دفعه الى تجرع السم كما حصل مع سقراط بتهمة إفساد عقول الشبيبة؛ فليس غريباً أن يفرد القرآن سورة خاصة لهذا الفصل المروع بعنوان (البروج) عندما تلقى الجموع (من نصارى ذلك الوقت) في خنادق الموت تحرق بالنار من أجل آرائهم.

وبالمناسبة فلا يشذ تاريخنا (ولايفرح بهذا البعض من الغافلين عن مجرى التاريخ) عن هذه القاعدة؛ فابن تيمية رآه الرحالة (ابن بطوطة) صاحب كتاب (تحفة النظار وعجائب الأسفار وغرائب الأمصار) وهو يضرب بالنعال ويُجرّ من المنبر فتطير عمامته ويساق الى التعزير ويطالب بقتله على مذهب الإمام مالك، وفي النهاية رمي مع تلميذه (ابن قيم الجوزية) في سجن القلعة في دمشق حتى الموت، محروماً من كل شيء بما فيها مواد الكتابه؛ فكان يكتب بالفحم على الحيطان.

وبالمناسبة مازال قبر ابن تيمية وتلميذه ابن القيم الجوزية بجنب بعض في دار التوليد، مقابل جامعة دمشق وقد رأتيه وكنت متخوفا عليه من الطائفة العلوية التي حكمت سوريا ستين عاما بسبب فتاويه ضدهم؟ فذهبت يومها إلى رئيس المتحف المجاور للسيد الحافظ وأبديت له تخوفي من نبش القبر، وهو والد الطبيب سعيد الحافظ صديقي القديم.

وباستعراض التاريخ نرى نماذج لانهاية لها تكرر نفس المأساة فابن حنبل ضرب الى حافة الموت، وابو حنيفة مات في الأغلب مسموماً، وابن جرير الطبري المؤرخ دفن بالليل سراً  عام 310 هـ بسبب رميه بالزندقة وهو الذي وصف الفقيه (الاسفراييني) كتابه (التفسيرالكامل) بأنه لو سافر رجل الى الصين من أجله لما كان كثيراً.

وفي قصة سعيد بن جبير مع الحجاج درس لاينسى حين ساله الحجاج  مااسمك ؟ فيجيب: سعيد بن جبير فيذبحه قائلاً: بل أنت شقي بن كسير؟ في تصفية أموية لكل المادة الرمادية في المجتمع (قشرة التفكير في الدماغ)،

وفي يوم العيد يقف أحد الجلادين يخاطب الجمهور أنكم تضحون اليوم وأنا سأضحي الجعد بن درهم ثم ينحره كالكبش الأملح (عن جوجول: قُتل الجعد بن درهم على يد خالد بن عبد الله القسري أمير العراق في عهد هشام بن عبد الملك)

ووصف ابن أبي اصيبعة  (شهاب الدين السهروردي) بأنه (أوحد في العلوم الحكمية بارعاً في الأصول الفقهية مفرط الذكاء جيد الفطرة) ولكن خصومه شنعوا عليه ورموه بالتفلسف والالحاد، بعد أن ناظرهم في حلب فأفحمهم، فعملوا محضراً بكفره ورفعوها الى السلطان صلاح الدين الأيوبي بدمشق، وطلبوا منه استئصال الشر بقتله حتى لاينفث الحاده بكل بلد يحل فيه فكان لهم ماأرادوا، فقتل سنة 587 هـ عن 36 عاماً وأخذ لقب (الشاب المقتول) في التاريخ. وينقل عنه ابن أبي أصيبعة الدمشقي أنه قال وهو يجود بنفسه لما قتل:

**  قل لأصحابي رأوني ميتا       فبكوني إذ رأوني حزنا**

** لاتظنوني بأني ميــــــت        ليس ذا الميت والله أنـا**

**  أنا عصفور وهذا قفصي       طرت عنه فتخلى رهنا**

** وأنا اليوم أناجــــي ملأ         وأرى الله عيانا  بهنــا**

**فاخلعوا النفس عن أجسادها   لترون الحق حقا بينا**

** لاترعكم سكرة الموت فما     هي الا انتقال من هنا**

** عنصر الأرواح فينا واحد     وكذا الاجسام جسم عمنا**

وأما (سلطان العلماء) الشيخ (العز بن عبد السلام) فقد أغرى به خصومه الملك (الأشرف) بن الملك العادل الأيوبي أنه (زائغ العقيدة منحرف عما صح من العقائد الدينية الصحيحة) وأفتوا بأنه كافرٌ حلال الدم؟! ورسى مصيره بأن حكم السلطان عليه: (بألا يفتي ولايجتمع باحد وبأن يلزم بيته = إقامة جبرية).

وكان مصير الحلاَّج أن ضبطه الوزير المحقِّق بكلمة قالها القاضي (ياحلال الدم) فحكمه بالاعدام وهو يصيح فيهم: الله.. الله في دمي، فضرب ألف سوط وقطعت أطرافه وأحرق وهو يردد قول ابا العتاهية:

دب السقام في سفلاً وعلوا        وأراني أموت عضوا فعضوا

وفي قرار لعن أبي الوليد (ابن رشد) ذكر صاحب كتاب (الذيل والتكملة) ابن عبد الملك نص الإدانة الكامل عن: (قوم خاضوا في بحور الأوهام.. فخلدوا في العالم صحفاً، مالها من خلاق، مسودة المعاني والأوراق، ونشأ منهم شياطين يخادعون الله والذين آمنوا.. فكانوا أضر عليها من أهل الكتاب، قصارى همهم بث عقاربهم في الآفاق، فاحذروا هذه الشرذمة حذركم من السموم السارية في الأبدان.

ومن عُثر له على كتاب من كتبهم فجزاؤه النار التي بها يعذب أربابه، وإليها يكون مآل مؤلفه وقارئه، والله تعالى يطهر من دنس الملحدين أصقاعكم إنه منعم كريم) ؟! فطرد من المسجد ونفي الى قرية الليسانة اليهودية ومات شيخاً محطم القلب، ليطرد بعدها خلال جيل واحد كل اهل قرطبة في عقاب كوني جماعي، فلايبقى في المسجد الا المحاريب تبكي وهي صامتة والمنابر ترثي وهي عيدان؟!.

بقدر ماكان القرن السابع عشر في أوربا تنويرياً بقدر ماحاول المفكرون الاختفاء والانزواء أمام غول الكنيسة والتشدد العقائدي.

فخنس (جاليلو) واعترف أنه أحمق مأفون يردد الخرافات، وسبقه (كوبرنيكوس) الذي لم تكتحل عينه برؤية كتابه المطبوع الا قبل موته بساعة، وكان (ديكارت) يردد عاش سعيداً من اختفى في الظل، ولم تطبع بعض كتب اسبينوزا الا بعد موته، في ظروف مخيفة أُلقي القبض فيها على مفكر معاصر له هو (ادريان كويرباغ) حاول نشر آراء مماثلة له فحكم بالسجن عشر سنوات مات بعد قضاء ثمانية عشر شهراً منها مكاناً ضيقاً مقرناً في الأصفاد.

وعندما أراد سبينوزا نشر كتابه (الأخلاق مؤيدة بالدليل الهندسي) أشاع عنه رجال الدين أنه يريد نشر كتاب يقيم فيه الدليل على عدم وجود الله؟؟ وتمت محاولة اغتياله بطعنة سكين في الرقبة ثم مات منفوثاً بالسل مطارداً بقرار لعنة رهيب: (بقرار الملائكة نلعن باروخ اسبينوزا.. وليكن مغضوباً وملعونا، نهارا وليلا، وفي نومه وصبحه، ملعونا في ذهابه وإيابه، وخروجه ودخوله، ونرجو الله أن لايشمله بعفوه أبدا، ونسأل الله أن يخلص أولي الطاعة منهم وينقذهم، وأن لايتحدث معه أحدا بكلمة، وأن لايقدم له أحد مساعدة أو معروفا، وأن لايعيش معه أحد تحت سقف واحدة، وأن لايقترب منه أحد على مسافة أربعة أذرع، وأن لايقرأ أحد شيئا جرى به قلمه أو أملاه لسانه).

وتتكرر قصة سبنوزا في أيامنا على صورة كتاب يناقش (النزعة المادية في العالم الاسلامي) فيصف مفكراً مسلماً مبدعاً هكذا :(مادي ماركسي وضعي دارويني قدري معتزلي باطني شيعي ماسوني غاندوي يعتنق المادية وينشر الزندقة ويدعو لها بصراحة)؟!.

طرح الكاتب الوردي سؤالاً خطيراً: لو عاصرنا النبي (ص) وهو يضرب بالحجارة في الطائف هل كنا معه أم كنا مع الضاربين؟ يجب أن نوسع تصورنا فنحاول أن نستحضر طبيعة الحياة وموازين القوى يومها والدعاية المضادة.

مغزى هذه القصص التي ترتجف منها المفاصل أن المجتمع لايتقدم الا بالفكر على جسر من المعاناة فوق نهر من الدموع وأن الجديد يعارض دوماً وأن النافع يثبت وأن التاريخ تقدمي.

https://anbaaexpress.ma/w1w0y

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى