حياة الغانمي
تفتح التطورات المتسارعة في العاصمة طرابلس الباب أمام إعادة قراءة خريطة النفوذ داخل الدائرة المحيطة بحكومة الوحدة الوطنية، في ظل إجراءات رسمية طالت جهة تحمل اسم «جهاز الأمن القومي»، بالتزامن مع حديث عن إعادة ترتيب الأدوار المرتبطة بالملفين الأمني والعسكري.
وفي قراءة للمشهد، طرح المحلل السياسي الليبي ناصر عمار تساؤلات حول ما إذا كانت العاصمة تشهد بالفعل تحولاً في موازين القوى، متوقفاً عند ما وصفه بـ«زلزال أمني» قد ينعكس على شبكة العلاقات وقنوات التواصل داخل طرابلس.
وبحسب عمار، تتحدث تقارير وتسريبات عن اتفاق غير معلن بين رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة ووكيل وزارة الدفاع عبد السلام الزوبي، يقضي بإعادة ترتيب موقع إبراهيم الدبيبة، المعروف بلقب «الدرية»، عبر سحب عدد من الملفات الحساسة من دائرة تحركه، وفي مقدمتها الملفان الأمني والعسكري.
ويضع عمار هذا التطور، في حال تأكد، ضمن مسار أوسع لإعادة توزيع أجنحة النفوذ داخل العاصمة، وليس باعتباره مجرد تغيير إداري في المسؤوليات.
من «الدرية» إلى الزوبي؟
ويرى عمار أن جوهر الترتيبات المتداولة يتمثل في إنهاء الدور الذي كان يُنسب إلى إبراهيم الدبيبة كقناة للتواصل مع مجموعات مسلحة، مقابل منح عبد السلام الزوبي دوراً أكثر مباشرة في إدارة هذه العلاقات.
ويشير إلى أن المرحلة المقبلة، وفق هذه القراءة، قد تشهد انتقالاً في قنوات الاتصال والتمويل والتنسيق، مع طرح تساؤلات حول مدى استعداد المجموعات المسلحة للتعامل مع هذا التغيير، وما إذا كانت ستتعامل معه باعتباره إعادة تنظيم داخل السلطة أم تغييراً في قواعد العلاقة معها.
وتأتي هذه القراءة في وقت برز فيه الزوبي في عدد من الملفات والاتصالات الأمنية والعسكرية.
فقد أجرى في سبتمبر لقاءات تناولت التطورات الليبية، من بينها لقاء مع رئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن، كما نفى في 23 سبتمبر وجود صفقة للإفراج عن عناصر ما وصفته السلطات بـ«الخلية التخريبية».
الدبيبة يدخل إلى خط التفاوض
ولا يرى عمار أن التحول المحتمل يتوقف عند نقل الدور من شخصية إلى أخرى، إذ يشير في منشوره إلى احتمال نزول عبد الحميد الدبيبة بنفسه إلى خط المواجهة التفاوضي، عبر فتح قنوات اتصال مباشرة والاجتماع بقادة المحاور، واستخدام ما سماه «المرونة القصوى» لتفكيك جبهات المعارضة وتجاوز الصدامات السابقة.
وبهذه القراءة، فإن رئيس الحكومة قد يكون بصدد محاولة إدارة الملف الأمني بصورة أكثر مباشرة، بدلاً من الاعتماد حصراً على وسطاء وقنوات غير مباشرة.

تعميم «جهاز الأمن القومي».. سياق موازٍ
ويتقاطع ذلك زمنياً مع تعميم حكومي صدر في 23 سبتمبر 2026 وحظر على الوزارات والهيئات والمؤسسات التابعة لحكومة الوحدة التعامل أو التواصل أو التنسيق مع جهة تحمل اسم «جهاز الأمن القومي».
كما منع تقديم الدعم المالي أو المعدات أو إبرام الاتفاقات معها إلا وفق موافقات رسمية محددة. وأعلنت الجهة المعنية لاحقاً التزامها بتجميد أعمالها.
وفي تطور لاحق، أكد مصدر مسؤول في مجلس الأمن القومي الليبي لوكالة الأنباء الليبية أن الجهة التي تناولها التعميم لا تمت بصلة إلى مجلس الأمن القومي المنشأ بموجب القانون رقم 4 لسنة 2007، مشدداً على وجود اختلاف قانوني ومؤسسي بين الطرفين.
وكالة الأنباء الليبية
«سحب بساط الملف الأمني»
ويرى ناصر عمار أن سحب ما يسميه «الملف الأمني» من إبراهيم الدبيبة، إذا ثبتت الترتيبات المتداولة، «لا يعني مجرد تغيير إداري»، بل يمكن أن يمثل تقليصاً تدريجياً لمساحة النفوذ التي تحرك بها الرجل محلياً ودولياً، وإعادة توزيع لهذه المساحة لمصلحة ترتيبات أمنية جديدة.
ليبيا الأحرار
السؤال: ماذا بعد «الدرية»؟
ويختتم عمار قراءته بالسؤال الأكثر حساسية: كيف سيرد إبراهيم الدبيبة على هذا التهميش، إذا تأكد؟ وهل ستتقبل المجموعات المسلحة تغييراً جذرياً في قنوات الاتصال والتمويل، أم أن العاصمة أمام جولة جديدة من صراع الأجنحة الصامت؟.
وهنا تكمن أهمية المرحلة المقبلة، فالمؤشر الحاسم، بحسب هذه القراءة، لن يكون في التسريبات وحدها، وإنما في من سيتولى فعلياً إدارة قنوات التواصل مع القوى المؤثرة في طرابلس، ومن يمتلك القدرة على تحويل القرارات الرسمية إلى ترتيبات ميدانية.
وبينما لا تزال رواية «الاتفاق» بين الدبيبة والزوبي بحاجة إلى تأكيد رسمي مستقل، فإن التعميم الحكومي بشأن «جهاز الأمن القومي» وتجميد الجهة لأعمالها يمثلان تطورين موثقين، فيما تبقى إعادة توزيع النفوذ بين الدبيبة والزوبي وإبراهيم الدبيبة استنتاجاً وتحليلاً سياسياً.




