لم يكن وصول فاطمة الزهراء المنصوري إلى رئاسة الحكومة المغربية في 29 سبتمبر 2026 وليد لحظة سياسية عابرة، بل جاء تتويجاً لمسار امتد لأكثر من عقد ونصف، انتقلت خلاله من تدبير الشأن المحلي في مراكش إلى البرلمان، ثم إلى الحكومة وقيادة حزب الأصالة والمعاصرة، قبل أن تصل إلى أعلى منصب تنفيذي في المملكة.
وبتعيينها من طرف الملك محمد السادس لتشكيل الحكومة الجديدة، أصبحت المنصوري أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في تاريخ المغرب، في محطة جديدة لمسار سياسي بدأ مبكراً من مدينة مراكش التي شكلت المجال الأول لتجربتها في العمل الانتخابي والتدبير العمومي.
ويأتي التكليف الملكي بعد الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 سبتمبر، والتي تصدر خلالها حزب الأصالة والمعاصرة النتائج بحصوله على 97 مقعداً من أصل 395 في مجلس النواب، متقدماً على التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعداً وحزب الاستقلال بـ65 مقعداً.
وبحكم تصدر حزبه الانتخابات، أصبحت المنصوري أمام مهمة تشكيل ائتلاف قادر على تأمين الأغلبية البرلمانية.
من دراسة القانون إلى مهنة المحاماة
ولدت فاطمة الزهراء المنصوري في مراكش سنة 1976، واختارت دراسة القانون قبل أن تنتقل إلى مرحلة التكوين المتخصص في مجال قانون الأعمال.
وبعد استكمال دراستها وتكوينها الأكاديمي، اتجهت إلى ممارسة المحاماة، وهي المهنة التي شكلت بدايتها المهنية قبل أن تنفتح تدريجياً على المجال السياسي.
غير أن مسارها المهني لم يبق بعيداً عن العمل العام، إذ تزامن صعودها مع البدايات الأولى لحزب الأصالة والمعاصرة، الذي تأسس سنة 2008، قبل أن تدخل المنصوري غمار الانتخابات المحلية في مراكش.
وكانت انتخابات 2009 نقطة التحول الأولى في مسارها السياسي، بعدما فازت بعضوية المجلس الجماعي للمدينة، ثم تولت رئاسة المجلس لتصبح أول امرأة تشغل منصب عمدة مراكش.
وقد منحتها هذه التجربة حضوراً مبكراً في المشهد السياسي المحلي، ووضعتها أمام مسؤولية إدارة إحدى أهم المدن المغربية.
من مراكش إلى البرلمان
بعد تجربة التدبير المحلي، انتقلت المنصوري إلى العمل التشريعي. ففي انتخابات 2011، فازت بمقعد في مجلس النواب عن دائرة المدينة ـ سيدي يوسف بن علي، لتجمع بين تجربتها في الجماعة المحلية والحضور داخل المؤسسة التشريعية.
وبالتوازي مع ذلك، توسع حضورها داخل حزب الأصالة والمعاصرة. ففي المؤتمر الوطني الثالث للحزب سنة 2016، انتُخبت رئيسة للمجلس الوطني، وهو موقع منحها دوراً تنظيمياً بارزاً داخل الحزب. واستمرت في هذه المهمة بعد المؤتمر الوطني الرابع سنة 2020.
وخلال هذه المرحلة، بدأت المنصوري تتحول من شخصية مرتبطة أساساً بتجربة مراكش إلى واحدة من الوجوه السياسية البارزة داخل حزب الأصالة والمعاصرة، خصوصاً مع إعادة الحزب ترتيب بنيته التنظيمية وتعزيز حضوره في المؤسسات المنتخبة.
عودة إلى رئاسة مراكش
شكلت انتخابات 2021 محطة أخرى في مسار المنصوري، إذ عادت إلى رئاسة مجلس جماعة مراكش، لتستعيد المنصب الذي كانت قد تولته خلال الفترة الممتدة من 2009 إلى 2015.
لكن العودة إلى تدبير شؤون المدينة لم تستمر طويلاً باعتبارها محطة محلية فقط، إذ سرعان ما انتقلت المنصوري إلى الحكومة.
وفي 7 أكتوبر 2021، عُينت وزيرة لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة ضمن حكومة عزيز أخنوش.
ومن موقعها الوزاري، أصبحت مسؤولة عن ملفات ترتبط بالتعمير والسكن وإعداد المجال، وهي قضايا ذات صلة مباشرة بالتحولات العمرانية والاجتماعية التي تشهدها المدن المغربية.
وبذلك أصبحت تجربتها تجمع بين ثلاثة مستويات من العمل السياسي: التدبير المحلي، والعمل الحكومي، والنشاط الحزبي، وهي عناصر سترافق مسارها خلال السنوات التالية.
القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة
في فبراير 2024، دخلت المنصوري مرحلة جديدة داخل حزب الأصالة والمعاصرة، بعد اعتماد صيغة القيادة الجماعية للأمانة العامة خلال المؤتمر الوطني الخامس.
وأصبحت المنصوري منسقة للقيادة الجماعية إلى جانب محمد المهدي بنسعيد وصلاح الدين أبو الغالي، لتنتقل بذلك إلى موقع أكثر تأثيراً في إدارة الحزب وتمثيله أمام المؤسسات الرسمية.
وقد منحت هذه الصيغة القيادية المنصوري حضوراً مركزياً في المشهد السياسي للحزب خلال المرحلة التي سبقت انتخابات 2026، خصوصاً مع استمرار مشاركته في الائتلاف الحكومي وتوسيع حضوره داخل المؤسسات.
وبحلول موعد الانتخابات التشريعية الأخيرة، كانت المنصوري قد راكمت تجربة امتدت من الجماعات المحلية إلى البرلمان، ومن الحكومة إلى قيادة حزب سياسي، وهو ما جعلها واحدة من أبرز الشخصيات داخل حزب الأصالة والمعاصرة.
محطة انتخابات 2026
جاءت الانتخابات التشريعية في 23 سبتمبر 2026 لتفتح أمام المنصوري مرحلة جديدة. فقد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة النتائج بـ97 مقعداً، بينما حل التجمع الوطني للأحرار ثانياً بـ66 مقعداً، وجاء حزب الاستقلال ثالثاً بـ65 مقعداً، في حين حصل حزب العدالة والتنمية على 54 مقعداً.
وبموجب النظام الدستوري المغربي، يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب الذي تصدر انتخابات مجلس النواب. وبعد إعلان النتائج، وقع الاختيار على المنصوري لتولي مهمة تشكيل الحكومة الجديدة.
وفي 29 سبتمبر، استقبلها الملك محمد السادس وكلفها رسمياً بتشكيل الحكومة، لتدخل بذلك مرحلة غير مسبوقة في تاريخ الحكومات المغربية، باعتبارها أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة.
من تدبير المدينة إلى إدارة الحكومة
يحمل انتقال المنصوري من رئاسة جماعة مراكش إلى رئاسة الحكومة دلالة واضحة على طبيعة المسار الذي قطعته داخل المؤسسات المغربية.
فقد بدأت من مستوى التدبير المحلي، قبل أن تنتقل إلى البرلمان، ثم إلى الحكومة، ثم إلى قيادة حزب سياسي، وصولاً إلى رئاسة الجهاز التنفيذي.
وفي المرحلة المقبلة، ستكون مهمتها الأولى تشكيل الأغلبية الحكومية والتفاوض مع الأحزاب بشأن تركيبة الائتلاف والبرنامج الحكومي. وكانت المنصوري قد أعلنت استعدادها لخوض مشاورات تشكيل الحكومة دون وضع «خطوط حمراء» مسبقة أمام المفاوضات.
كما ستتولى الحكومة المقبلة ملفات اقتصادية واجتماعية وتنموية متعددة، إلى جانب الإشراف على المرحلة النهائية من استعدادات المغرب لاستضافة كأس العالم 2030 بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال، فضلاً عن قضايا التشغيل والاستثمار والبنية التحتية والخدمات العمومية.
وهكذا، فإن صعود فاطمة الزهراء المنصوري من مراكش إلى الرباط يمثل مساراً سياسياً تراكمياً امتد عبر مواقع ومؤسسات مختلفة.
فمن المحاماة إلى العمودية، ومن البرلمان إلى الوزارة، ثم إلى قيادة الحزب، انتهى المسار بتكليفها بتشكيل الحكومة، في تحول يفتح فصلاً جديداً في تجربتها السياسية وفي تاريخ رئاسة الحكومة المغربية.




