أفريقياسياسة
أخر الأخبار

دبلوماسية الاستخبارات في باكو.. كيف رسم “مليقطة” خارطة جديدة لنزاع المخابرات الليبية؟

حياة الغانمي

​لم يعد النزاع المحتدم على رأس جهاز المخابرات العامة الليبية محصوراً في أروقة المحاكم أو المكاتب الإدارية بالعاصمة طرابلس.

فمنذ صدور قرار تكليف عبد المجيد مليقطة بقيادة الجهاز في يونيو/حزيران الماضي، شهدت الأزمة تحولاً مفصلياً انتقلت فيه المعركة من خانة “من يملك التكليف الشرعي؟” إلى ساحة أكثر تعقيداً: “من يمسك بمقاليد الممارسة الفعيلة على الأرض ويمثل المخابرات الليبية أمام العالم؟”.

​هذا التداول الاستراتيجي للمناورة تجلّى بأوضح صوره مؤخراً في أذربيجان، حيث تحول مشاركة مليقطة في مؤتمر باكو للأمن إلى محطة فارقة تجاوزت الطابع البروتوكولي لتفرض واقعاً مؤسسياً جديداً عبر الحدود.

قرار طرابلس.. انقسام في المهد وتمدد في الميدان

​شرارة الأزمة الأخيرة اندلعت في 28 يونيو/حزيران 2026، عقب إعلان المجلس الرئاسي إعفاء حسين العايب من منصبه وتكليف عبد المجيد مليقطة برئاسة الجهاز، مع تعيين عبد الشفيع الجويفي نائباً لشؤون العامة والاتصال الخارجي.

​غير أن القرار وُلد في بيئة سياسية محتقنة، إذ أعلن عضو المجلس الرئاسي موسى الكوني رفضه للإجراء، مستنداً إلى غياب التوافق المطلوب داخل المجلس. ورغم هذا الانقسام السياسي الصريح الذي سرعان ما امتد للقضاء، أخذ التكليف مسار النفاذ المؤسسي:

توجيهات حكومية: أُصدرت التعليمات للجهات التنفيذية بالتعامل المالي والأمني والإداري مع القيادة الجديدة.

قبول سياسي داخلي: استُقبل مليقطة في المجلس الأعلى للدولة في الأول من يوليو/تموز بصفته رئيساً للجهاز، لمناقشة ملفات الأمن القومي والتطورات السياسية.

​وبذلك، نجح التكليف في الانتقال السريع من خانة “الورق السياسي” إلى ممارسة السلطة واقعياً داخل المؤسسات.

اختراق “باكو”.. تثبيت الصفة عبر بوابة التعاون الدولي

​شكلت محطة باكو في سبتمبر/أيلول المنعطف الأبرز في نزاع الشرعية. فخلال أعمال المؤتمر، عقد مليقطة اجتماعات عالية المستوى مع قادة أجهزة استخبارات إقليمية ودولية بارزة:

​- اللواء حسن رشاد – رئيس المخابرات العامة المصرية.

– ​الفريق أول أحمد إبراهيم مفضل – رئيس المخابرات السودانية.

– ​علي ناغييف – رئيس جهاز أمن الدولة الأذربيجاني.

​تناولت المباحثات ملفات حيوية تمس الإرهاب، والهجرة غير النظامية، وغسل الأموال، إضافة إلى التحديات الأمنية في منطقة الساحل وشمال أفريقيا.

​لكن الأهمية الاستراتيجية لهذه اللقاءات لم تقف عند حدود الملفات الأمنية المباشرة، بل تمثلت في “صفة الحضور”، إذ قُدّم مليقطة رسمياً ومؤسسياً بصفته “رئيس جهاز المخابرات العامة المكلف من المجلس الرئاسي” أمام رؤساء أجهزة نظيرة.

إن تكرار هذا الظهور الدولي يفرض واقعاً عملياً يمارس فيه مليقطة تمثيل المخابرات الليبية خارجياً، بالرغم من استمرار النزاع القانوني في الداخل.

عبد المجيد مليقطة يشارك في مؤتمر باكو للأمن

شرعية الممارسة في مواجهة أحكام القضاء

​تزامن هذا التمدد الخارجي مع تصاعد المواجهة القانونية داخل البلاد. ففي يوليو/تموز، وجه النائب العام الصديق الصور خطاباً للمجلس الرئاسي يحذر فيه من اضطراب أداء الجهاز إثر قرار الإعفاء.

​وفي سبتمبر/أيلول، اتخذ المسار القضائي منحى جاداً بعد أن أصدرت دائرة القضاء الإداري بمحكمة استئناف الزاوية حكماً بوقف تنفيذ قرارات المجلس الرئاسي (إعفاء العايب، وتكليف مليقطة، وتعيين النائب)، وهو ما تقاطع مع حكم سابق صادر عن محكمة استئناف بنغازي بشأن القرارات ذاتها.

​ومع أن “وقف التنفيذ” يظل إجراءً قضائياً مستعجلاً ومؤقتاً لا يحسم أصل النزاع الموضوعي، إلا أنه أوجد موازاة معقدة بين مسارين:

مسار ميداني تنفيذي: يقوده مليقطة عبر ممارسة المهام وإدارة الملفات الأمنية والتمثيل الخارجي.

مسار قضائي: يخوضه العايب للطعن في شرعية الإقال والتكليف.

ظل الحادثة الأمني.. عندما يتقاطع الشخصي بالمؤسسي

​تزداد المشهدية تعقيداً بالعودة إلى الخلفية الأمنية التي سبقت هذا الصراع المباشر على المنصب. ففي يونيو/حزيران 2024، نجا مليقطة من محاولة استهداف في طرابلس، وهي القضية التي تطورت قضائياً وأسفرت عن أحكام بالسجن ضد عدة متهمين، كان من بينهم نجل حسين العايب الذي صُدر بحقه حكم بالسجن لسبع سنوات.

​ومن الناحية القانونية الصارمة، فإن المسؤولية الجنائية شخصية، وإدانة النجل لا تعني بأي حال إدانة والده أو إثبات علمه ومشاركته ما لم تقم أدلة قضائية مستقلة تتعدى مجرد الرابطة الأسرية.

غير أن مليقطة كان قد طالب علناً بمساءلة ما اعتبره خللاً أمنياً في الجهاز، قبل أن ينتقل هو نفسه إلى كرسي القيادة في المؤسسة ذاتها، مما جعل حادثة الاستهداف جزءاً من المظلة السياسية والأمنية التي سبقت التغيير.

واقع جديد.. معركة تجاوزت حدود طرابلس

​لا يعني ظهور مليقطة في باكو حسماً قانونياً للنزاع، كما أن لقاءاته مع رؤساء الاستخبارات الأجنبية لا تعوض الفصل القضائي النهائي في صحة قرارات المجلس الرئاسي.

​لكن مؤتمر باكو نجح بالفعل في إعادة تشكيل المعركة، فالصراع لم يعد مجرد سؤال تقليدي حول من يحمل الاسم في القرار الإداري الصادر بالعاصمة، بل أصبح يدور بين الشرعية القانونية التي ينظر فيها القضاء، والواقع المؤسسي الذي يُصنع عبر ممارسة الاختصاص اليومي وتوطيد العلاقات الاستخباراتية العابرة للحدود.

https://anbaaexpress.ma/40lsl

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى