يكفي أحياناً أن تقطع بضعة كيلومترات أو بضعة أمتار لتكتشف أكثر من مغرب داخل المغرب الواحد.
في الرباط، العاصمة السياسية والإدارية للمملكة، تكفي جولة قصيرة لرؤية خريطة اجتماعية كاملة.
ففي الدائرة نفسها، دائرة شالة، تتجاور أحياء مثل سوق السباط ودوار الحاجة ودوار الدوم وتواركة، مع الحي العسكري والسويسي وبير قاسم.
أحياء متواضعة، وأخرى فاخرة. أسر تكافح من أجل تأمين أبسط ضروريات الحياة، وأخرى تحيط بها الفيلات والحدائق والسيارات الفارهة.
مدينة واحدة، ومجال جغرافي واحد، لكن أحياناً عالمان اجتماعيان مختلفان تماماً.
قد يقول محلل اقتصادي إن هذا التقارب الجغرافي ليس بالضرورة أمراً سلبياً.
فالثروة حين تتركز في منطقة ما يمكن أن تمتد آثارها إلى المناطق المجاورة.
الضرائب تؤدي دوراً في تمويل الخدمات العمومية، والأسر الميسورة تخلق طلباً على العديد من الخدمات، من الأعمال المنزلية إلى الحراسة والبستنة والنقل وغيرها.
وقد يرى البعض أن الفيلا الفاخرة، حين تشغل عاملة أو حارساً أو بستانياً من حي شعبي قريب، تساهم بطريقة ما في توزيع الدخل.
التحليل يبدو منطقياً.
لكن هناك سؤالاً أكثر عمقاً: هل القرب من الثروة يعني بالضرورة الاستفادة منها؟
الجواب، في الواقع، ليس دائماً نعم.
حين لا تصنع الثروةُ وحدها تكافؤ الفرص
الحي الفقير الذي يوجد بجوار حي غني لا يصبح غنياً تلقائياً.
وجود الفيلا الفاخرة على بعد مئات الأمتار من منزل متواضع لا يعني أن أبناء المنزلين يملكون الفرص نفسها.
فالطفل الذي يولد في حي شعبي قد يجد نفسه منذ البداية أمام مدرسة أقل جودة، ووسائل نقل أقل فعالية، ومرافق ثقافية ورياضية محدودة، وفرص أقل في التدريب والتشغيل.
وهنا تبدأ مسؤولية السياسة العمومية.
المطلوب ليس أن يعيش الفقراء بالقرب من الأغنياء، بل أن يقترب الفقراء من الفرص التي يصنعها الأغنياء.
وهذا فرق جوهري.
ماذا يمكن أن تقول لنا انتخابات 23 شتنبر؟
في 23 شتنبر المقبل، سيتوجه المغاربة إلى صناديق الاقتراع لاختيار أعضاء مجلس النواب.
لكن السؤال الحقيقي لا ينبغي أن يكون فقط: من سيفوز؟
بل: ماذا سيفعل الفائزون مع هذه الفوارق الاجتماعية والمجالية التي يمكن رؤيتها بالعين المجردة؟
هل ستظل الفوارق بين الأحياء مجرد واقع اجتماعي نتعايش معه؟
أم ستتحول إلى قضية سياسية واقتصادية تستحق سياسات عمومية واضحة؟
هل ستظل الثروة مركزة في مناطق محددة، بينما يكتفي الفقراء بالاستفادة من فتات الفرص التي تنتجها تلك الثروة؟
أم سننتقل من منطق الإحسان الاجتماعي إلى منطق العدالة المجالية؟
العمل المنزلي ليس سياسة لمحاربة الفقر من الخطأ أن نبني سياسة اجتماعية على فكرة أن الأغنياء سيقومون، بطريقة أو بأخرى، بمساعدة الفقراء.
تشغيل شابة في منزل إحدى الأسر الميسورة لا يمكن أن يكون بديلاً عن سياسة حقيقية للإدماج الاقتصادي.
وتشغيل شاب حارساً أو بستانياً لا يعوض مدرسة جيدة، ولا تكويناً مهنياً ناجعاً، ولا نقلاً عمومياً فعالاً، ولا مركزاً صحياً لائقاً، ولا فضاءات رياضية وثقافية.
المشكلة ليست في أن يعمل الفقير لدى الغني. المشكلة أن يظل مستقبل الفقير مرتبطاً دائماً بخدمة الغني.
الهدف الحقيقي ينبغي أن يكون تمكين ابن الحي الشعبي من أن يصبح طبيباً أو مهندساً أو مقاولاً أو تقنياً أو أستاذاً، وليس فقط عاملاً في الحي المجاور.
وهنا تحديداً تظهر أهمية التعليم والصحة والنقل والتكوين المهني والاستثمار المحلي.
“ميديلين”: عندما قررت المدينة أن تذهب إلى الفقراء
بعيدا عن صورة المدينة محور ترويج المخدرات. تقدم مدينة ميديلين الكولومبية مثالاً لافتاً.
فقد كانت المدينة تعاني من انقسام اجتماعي ومجالي عميق، حيث كانت الأحياء الفقيرة تقع في مناطق هامشية تفتقر إلى جزء من البنية التحتية والخدمات والفرص.
لكن المدينة بدأت، منذ تسعينيات القرن الماضي، في اعتماد ما أصبح يعرف بـ«العمران الاجتماعي»، عبر توجيه استثمارات مهمة إلى المناطق الأكثر فقراً.
لم تقتصر الفكرة على بناء المساكن، بل شملت النقل، والمدارس، والمكتبات، والفضاءات العمومية والمرافق الثقافية، وربط المناطق المهمشة بباقي المدينة.
وأصبح نظام Metrocable مثالاً شهيراً على كيفية استخدام النقل العمومي ليس فقط للتنقل، بل لمحاربة العزلة الاجتماعية والمجالية.
رسالة ميديلين واضحة: لا يكفي أن نطلب من الفقراء الوصول إلى المدينة؛ يجب أحياناً أن تذهب المدينة نفسها إليهم.
“ريو دي جانيرو”: من التعايش إلى الاندماج
في ريو دي جانيرو، تبدو المفارقة أكثر وضوحاً.
فالفيلات والأحياء الراقية قد تتجاور جغرافياً مع الأحياء الفقيرة و«الفافيلا»، لكن هذا التجاور لم يكن يعني بالضرورة اندماجاً اجتماعياً.
لذلك حاولت برامج مثل Favela-Bairro إدماج الأحياء المهمشة في النسيج الحضري، من خلال تحسين البنية التحتية والخدمات والمرافق العمومية.
وفي السنوات الأخيرة، اتجهت برامج أخرى إلى تحديد الأسر الأكثر هشاشة وربطها بالخدمات العمومية في مجالات الصحة والتعليم والتشغيل والحماية الاجتماعية.
والدرس الذي تقدمه ريو بسيط: لا يمكن القضاء على الفقر بإخفاء الأحياء الفقيرة عن أعين المدينة، وإنما بإدماجها الكامل في المدينة.
وماذا عن الرباط والمدن المغربية الأخرى؟
تملك الرباط خصوصية تجعل هذه القضية أكثر إثارة للتأمل.
فالفوارق الاجتماعية ليست دائماً بحاجة إلى أرقام وإحصاءات معقدة لفهمها.
يكفي أن تسلك الطريق من سوق السباط ودوار الحاجة ودوار الدوم، مروراً بتواركة، وصولاً إلى الحي العسكري والسويسي وبير قاسم.
بضع دقائق بالسيارة او بالموتور قد تكشف لك عشرات السنين من الفوارق الاجتماعية.
لكن هذا القرب الجغرافي يمكن أن يتحول، إذا أحسن تدبيره، إلى فرصة.
لماذا لا تصبح المناطق الأكثر ثراءً جزءاً من منظومة تنمية تستفيد منها المناطق الشعبية المحيطة بها؟
لماذا لا توجه الاستثمارات العمومية، بشكل أكبر، إلى تحسين مدارس الأحياء الهشة ومراكزها الصحية ووسائل النقل والفضاءات الرياضية والثقافية؟
ولماذا لا تصبح برامج التكوين مصممة بحيث تمنح شابة من دوار الحاجة أو شاباً من دوار الدوم فرصة حقيقية للوصول إلى الجامعة وسوق الشغل، بدل أن يكون أقصى ما يربطه بالأحياء الغنية هو العمل فيها؟
هذه هي العدالة المجالية الحقيقية: ليس أن يعيش الفقير بجوار الغني، وإنما أن يمتلك ابن الفقير فرصة حقيقية للوصول إلى ما يصل إليه ابن الغني.
الاختبار الحقيقي ليس يوم الاقتراع
لن تستطيع الانتخابات وحدها حل مشكلة الفوارق الاجتماعية.
لكنها تستطيع تحديد الاتجاه.
فالبرامج الانتخابية لا ينبغي أن تكتفي بالحديث عن الدعم والمساعدات والسكن الاجتماعي.
المطلوب هو سؤال أكثر جرأة:
كيف نحول الثروة المركزة في بعض المناطق إلى فرص اجتماعية موزعة على الجميع؟
كيف نحول الضرائب إلى مدارس أفضل؟
كيف نحول الاستثمار إلى وظائف نوعية؟
كيف نحول النقل إلى وسيلة لتقليص الفوارق؟
كيف نحول الصحة والتعليم والثقافة إلى أدوات حقيقية للحراك الاجتماعي؟
ذلك هو التحدي.
لأن المغرب لا يستطيع، على المدى الطويل، أن يعيش بمدن حديثة ومناطق شديدة الثراء، محاطة بأحياء يشعر سكانها بأنهم يعيشون خارج دائرة الفرص.
المشكلة هنا ليست اقتصادية فقط.
إنها اجتماعية وسياسية ومجالية أيضاً.
فحين تصبح الفوارق مرئية أكثر من اللازم، يمكن أن يتولد لدى البعض شعور بأنهم يعيشون في عالم مختلف، بينما يتولد لدى آخرين إحساس بأنهم محكوم عليهم بالبقاء خارجه.
المغرب الذي نريده في 2035
لذلك، فإن الرهان الحقيقي لا ينبغي أن يكون فقط على المغرب الذي نريد أن نراه غداً، بل على المغرب الذي سيعيش فيه أطفال اليوم بعد عشر سنوات.
هل سيظل عنوان الميلاد عاملاً يحدد إلى حد كبير فرص الإنسان في الحياة؟
هل سيظل طفل من حي شعبي ينظر إلى الفيلات الفاخرة القريبة منه باعتبارها عالماً لا يمكنه دخوله إلا من باب الخدمة والعمل؟
أم سنصل إلى مرحلة يصبح فيها التعليم والصحة والنقل والثقافة والتكوين المهني أدوات لتكسير الحواجز الاجتماعية؟
المدينة العادلة ليست التي تختفي فيها الفوارق، فهذا ربما غير ممكن. المدينة العادلة هي التي لا تتحول فيها الفوارق الاقتصادية إلى فوارق دائمة في الفرص.
وربما هنا تكمن القيمة الحقيقية لانتخابات 23 شتنبر. فالسؤال ليس فقط:من سيفوز في الانتخابات؟
بل السؤال الأهم: من سيملك الشجاعة السياسية لكي يجعل من القرب الجغرافي بين الأغنياء والفقراء بدايةً لتقارب الفرص لا مجرد استمرار للتعايش بين عالمين؟
لأن المغرب الذي يستحقه أبناؤه ليس مغرباً يعيش فيه الغني فوق التل، والفقير في ظل التل.
بل مغرباً يستطيع فيه ابن دوار الحاجة أن يصل يوماً إلى السويسي، ليس للعمل فقط.. وإنما للنجاح أيضاً.




