في السادس عشر من أيلول من كل عام، لا أستعيد «جمول» من كتاب، ولا أفتش عنها في أرشيف الصحف القديمة، ولا أحتاج إلى صور بالأبيض والأسود كي أتذكر تلك الأيام. بالنسبة إليّ، جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ليست فصلاً من تاريخ لبنان قرأت عنه لاحقاً.
إنها جزء من الذاكرة الشخصية، من طفولة الجنوب وشبابه، من البيت والعائلة والبلدة، من وجوه عرفتها وأصوات سمعتها وأحداث عشت تفاصيلها.
أنا ابن “أنصار”، البلدة الجنوبية التي سيصبح اسمها، بعد اجتياح 1982، مرادفاً لأحد أشهر معتقلات الاحتلال الإسرائيلي. وأنا أيضاً ابن بيت انطلقت منه «جمول»، وعرفت عائلتي، كما عرفت عائلات كثيرة في الجنوب، معنى أن تكون المقاومة جزءاً من الحياة اليومية، لا شعاراً معلقاً على جدار.
لذلك، عندما أكتب عن السادس عشر من أيلول 1982، أكتب عن زمن أعرف رائحته.
دخل الجيش الاحتلال الإسرائيلي بيروت بعد حصارها، وبدا أن الاجتياح الذي بدأ في حزيران قد بلغ غايته. كانت البلاد منهكة، وبيروت جريحة، والجنوب تحت الاحتلال.
وسط ذلك المشهد أُعلن نداء “جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية – جمول”، وبدأت مرحلة جديدة من المواجهة.
لم يكن الذين حملوا السلاح يملكون ترف السؤال عن موازين القوى. كان أمامهم احتلال، وكانت الإجابة مقاومته. بدأت العمليات في بيروت، وصارت عملية خالد علوان في مقهى «الويمبي» إحدى العلامات الأولى الراسخة في ذاكرة تلك المرحلة. ثم راحت المقاومة تلاحق قوات الاحتلال في انسحابها من العاصمة والجبل باتجاه الجنوب.
هناك بدأت صفحات أعرف بعض سطورها لا من الروايات، بل من الحياة.
في صيدا والنبطية وصور، وفي القرى والوديان والطرقات الجنوبية، خرج مقاومون من بيوت عادية جداً. كانوا طلاباً وعمالاً وفلاحين ومثقفين، رجالاً ونساءً، شيوعيين، وقوميين ويساريين ووطنيين.
لم يكونوا أبطالاً خارقين. كانوا أبناء قرانا، نعرف أهلهم وبيوتهم وحكاياتهم.
كانت المقاومة آنذاك فعلاً شديد البساطة وشديد الخطورة، عبوة على طريق دورية، كمين في عتمة الليل، مسدس مخبأ، منشور سري، بيت يفتح بابه لمطارد، وأم تعرف أكثر مما تقول.
وكان الاعتقال جزءاً من تلك الحياة.
لهذا لا أستطيع أن أكتب عن مقاومة 1982 من دون أن أتوقف طويلاً أمام “معتقل أنصار”.
بالنسبة إلى كثيرين، أنصار اسم في تاريخ المعتقلات الإسرائيلية. بالنسبة إليّ هي بلدتي. الأرض التي أعرف ترابها وطرقاتها تحولت بعد الاجتياح إلى فضاء هائل من الأسلاك الشائكة والحراسة والأسر. مرّ في المعتقل آلاف اللبنانيين والفلسطينيين، وحاول الاحتلال أن يجعل منه مكاناً للإخضاع وكسر الإرادة.
لكن أنصار صار بدوره ساحة مقاومة.
عشت نضالات الأسرى وتفاصيلها، وعاشت عائلتي بعضاً من أثمانها. لم تكن أخبار المعتقل تصل إلينا كأخبار بعيدة. كانت تدخل البيوت، وتجلس معنا، وتحمل أسماء أشخاص نعرفهم. كان خلف كل أسير بيت ينتظر، وأم، وزوجة، وأطفال، ورفاق يتابعون أخباره.
من داخل المعتقل صنع الأسرى مجتمعهم الصغير، تنظيم ولجان، تضامن، احتجاجات وإضرابات، ومواجهة يومية مع إدارة الأسر. وحفروا من أجل الحرية كما كان رفاقهم في الخارج يقاتلون من أجلها. حتى الأنفاق ومحاولات الهرب أصبحت جزءاً من أسطورة أنصار وذاكرته.
كان الأسرى يقولون، بأجسادهم وإرادتهم، إن السجن نفسه يمكن أن يتحول إلى ميدان للمقاومة.
ثم جاء “معتقل الخيام” في مرحلة لاحقة، بزنازينه والتحقيق والتعذيب والسنوات الطويلة من الأسر، وحمل أسماء مقاومين ومقاومات، بينهم سهى بشارة وأنور ياسين وغيرهما ممن صار الأسر جزءاً من سيرتهم النضالية.
لكن «جمول» بالنسبة إليّ تبقى قبل كل شيء تلك الوجوه.
وجوه شباب خرجوا من بيوتهم وهم يعرفون أن العودة ليست مضمونة. نساء حملن السلاح والرسائل والأسرار. عائلات دفعت ثمن خيارات أبنائها اعتقالاً وملاحقة وخوفاً وانتظاراً.
وقرى جنوبية تعلمت باكراً أن الاحتلال ليس دبابة تعبر الطريق فقط؛ الاحتلال منظومة كاملة من الحواجز والمعتقلات والمداهمات والعملاء والخوف.
في مواجهة ذلك كله، كانت المقاومة محاولة لاستعادة الكرامة قبل استعادة الأرض.
بعد أربعة وأربعين عاماً، تغير لبنان وتغير الجنوب، وتغيرت المقاومة نفسها. تبدلت القوى والأحزاب والتحالفات، وانحسر حضور «جمول» وصعدت قوى أخرى حملت راية مقاومة الاحتلال. ويمكن أن نختلف كثيراً حول السياسة وما جرى بعد ذلك، وحول الخيارات والتحولات التي عرفها لبنان.
لكن هناك حقيقة لا تمحوها الخلافات اللاحقة، أن رجالاً ونساءً، في إحدى أقسى مراحل تاريخ لبنان الحديث، قرروا مقاومة الاحتلال الإسرائيلي.
بالنسبة إليّ، السادس عشر من أيلول ليس مناسبة للحنين.
فالحنين كلمة باردة أمام ذاكرة بهذا الثقل.
إنه يوم أعود فيه إلى أنصار، إلى البيت، إلى الوجوه التي عبرته، إلى الأسرى خلف الأسلاك، إلى الأمهات المنتظرات، وإلى أولئك الذين كانوا يخرجون ولا نعرف إن كانوا سيعودون.
وأفكر في المسافة الهائلة بين تلك الأيام واليوم.
كثيرون رحلوا. كثيرون تغيروا. أحلام كثيرة انكسرت. ولبنان الذي حلم به أولئك المقاومون، وطناً حراً وعادلاً وسيداً على أرضه، لا يزال مشروعاً ناقصاً.
لكن شيئاً واحداً لا يستطيع الزمن أن ينتزعه من ذاكرتي:
إنني عشت زمناً كان فيه أناس عاديون قادرين على اتخاذ قرارات استثنائية.
عرفتُ المقاومة وجوهاً وأسماءً وحكاياتٍ تسكن البيوت والقرى، قبل أن تصبح صفحاتٍ في كتب التاريخ. ورأيت الأسر يتحول إلى نضال، والخوف إلى شجاعة، والقرية الصغيرة تدخل التاريخ من بوابة معتقل أراد الاحتلال أن يجعله رمزاً للقهر، فحوّله الأسرى إلى رمز للصمود.
لهذا، عندما أسمع اليوم كلمة «جمول»، لا أسمع ثلاثة أحرف.
أسمع أسماء ووجوهاً وأصواتاً.
أرى أنصار.
أرى بيتنا.
أرى الجنوب في تلك السنوات البعيدة.
وأرى جيلاً كاملاً آمن بأن الأرض المحتلة لا تحتاج إلى كثير من البلاغة.
تحتاج إلى من يقاوم من أجلها.
وفي السادس عشر من أيلول، أنحني أمام ذاكرة ذلك الجيل، أمام شهدائه وأسراه ومقاوميه، وأمام العائلات التي حملت معه العبء والخوف والانتظار.
ليس لأن الماضي كان أجمل.
بل لأن بعض ما في ذلك الماضي يستحق ألا نسمح للنسيان بأن يهزمه.
وهذا، بالنسبة إليّ، هو معنى جمول.




