تقاريردولي
أخر الأخبار

باكو 1918.. المعركة التي أنذرت بحروب النفط

لقد قاتل الإنسان عبر تاريخه من أجل الماء والأرض والذهب والملح وطرق التجارة، ثم جاء القرن العشرون ليضيف النفط إلى قائمة الأشياء التي تستطيع صناعة الثروة وإشعال الحروب في آن واحد

لم تكن باكو في مطلع القرن العشرين مجرد مدينة بعيدة على ضفاف بحر قزوين، فقد كانت الأرض من حولها تنفث سائلاً أسود بدأ يغيّر وجه العالم، ويمنح هذه المدينة مكانة لم تكن الجغرافيا وحدها قادرة على منحها، إذ كانت الثورة الصناعية تدخل مرحلة جديدة، والمحركات تحل تدريجياً مكان الآلات القديمة، والسفن والسيارات والطائرات والجيوش الحديثة تكتشف أن القوة لم تعد تقاس بعدد الرجال والمدافع فقط، بل بقدرة الدولة على تأمين الوقود الذي يحرك تلك القوة، ويمنعها من التوقف.

كانت حقول باكو قد جذبت منذ القرن التاسع عشر كبار المستثمرين الأوروبيين، ومن بينهم عائلة نوبل ومصالح ارتبطت بعائلة روتشيلد، وتحولت المدينة إلى مركز نفطي بالغ الأهمية داخل الإمبراطورية الروسية، لكن سقوط القيصرية بعد ثورة 1917 وانهيار السلطة الروسية في مناطق واسعة من القوقاز فتحا أبواب المدينة أمام صراع تجاوز سكانها وحدودها، فروسيا البلشفية أرادت الاحتفاظ بالثروة التي تحتاج إليها، والدولة العثمانية كانت تتطلع إلى توسيع نفوذها في القوقاز ودعم أذربيجان، وألمانيا كانت تدرك قيمة النفط بالنسبة إلى حرب صناعية استنزفت موارد أوروبا، أما بريطانيا فلم تكن مستعدة لمشاهدة مصدر بهذه الأهمية يقع بسهولة في يد قوة معادية.

لم تكن معركة باكو حرباً من أجل النفط وحده، فتلك قراءة تختصر تاريخاً شديد التعقيد، إذ اختلطت فيها القوميات والمصالح السياسية وانهيار الإمبراطورية الروسية والصراع الأرمني الأذربيجاني والطموحات العثمانية والحسابات البريطانية والروسية، غير أن وجود النفط منح المدينة قيمة استراتيجية استثنائية وجعل السيطرة عليها قضية تتجاوز مصير بقعة صغيرة على بحر قزوين، فكل قوة دخلت ذلك الصراع كانت تعرف أن تحت الأرض ثروة ستصبح جزءاً أساسياً من مستقبل الحرب والاقتصاد.

في صيف 1918 تقدم الجيش الإسلامي القوقازي المؤلف أساساً من قوات عثمانية وأذربيجانية بقيادة نوري باشا باتجاه باكو، بينما كانت المدينة قد انتقلت بين سلطات وقوى متنافسة في خضم الفوضى التي أعقبت الثورة الروسية، ومع اقتراب القوات المهاجمة دخل البريطانيون المشهد بقوة صغيرة عرفت باسم دنسترفورس بقيادة الجنرال ليونيل دنسترفيل، وقد وصلت عبر فارس للمساهمة في الدفاع عن المدينة، وهو تدخل يكشف وحده مقدار الأهمية التي اكتسبتها باكو في الحسابات الاستراتيجية لقوة تقع عاصمتها على بعد آلاف الكيلومترات من بحر قزوين.

اشتدت المعارك في آب وأيلول، ولم تكن القوة البريطانية الصغيرة ولا القوات المحلية المدافعة عن المدينة قادرة على وقف الهجوم طويلاً، وبعد قتال عنيف أدرك البريطانيون أن الاحتفاظ بباكو أصبح بالغ الصعوبة، فانسحبوا عبر بحر قزوين ليلة الرابع عشر من أيلول، وفي اليوم التالي دخلت القوات العثمانية والأذربيجانية المدينة، وبدا للحظة أن إحدى أهم مناطق النفط في العالم أصبحت تحت سيطرة الدولة العثمانية وحلفائها.

لكن التاريخ كان أسرع من المنتصرين، فبعد أسابيع قليلة انهارت الجبهة العثمانية، ووقعت هدنة مودروس في 30 تشرين الأول 1918، واضطرت القوات العثمانية إلى الانسحاب من أذربيجان، ثم عاد البريطانيون إلى باكو في تشرين الثاني، فتبدلت الجيوش والأعلام والسلطات فوق المدينة خلال فترة قصيرة، بينما بقيت الآبار في مكانها شاهدة على حقيقة بدأت القوى الكبرى تدركها بصورة متزايدة، وهي أن السيطرة على مصادر الطاقة ستصبح جزءاً من السيطرة على العالم.

تكمن أهمية باكو في أنها كانت من الإشارات المبكرة إلى ولادة عصر جديد في تاريخ الصراع، فقد اعتادت الإمبراطوريات النظر إلى الخرائط بحثاً عن الموانئ والمضائق والأنهار والأراضي الخصبة ومناجم الذهب وطرق التجارة، لكن القرن العشرين أضاف إلى تلك الخرائط الآبار والمصافي وخطوط الأنابيب، وأصبح السؤال عن مصدر الوقود لا يقل أهمية عن السؤال عن عدد الجنود، لأن دبابة بلا وقود ليست سوى كتلة من الحديد، والطائرة التي لا يصل إليها البنزين لا تستطيع مغادرة الأرض، والأسطول الذي تنقطع عنه الطاقة يفقد قيمته مهما بلغ حجم مدافعه.

ولم تكن باكو سنة 1918 سوى مقدمة لما سيأتي، بعد أقل من ربع قرن عاد اسم المدينة إلى الخرائط العسكرية في الحرب العالمية الثانية، إذ كان نفط القوقاز من الأهداف الاستراتيجية الكبرى لألمانيا النازية في حملتها على الاتحاد السوفياتي، وقد اندفعت القوات الألمانية جنوباً سنة 1942 أملاً في الوصول إلى مناطق النفط التي تحتاج إليها آلة الحرب الألمانية، لكن الطريق إلى القوقاز تحول إلى استنزاف هائل، ولم تصل قوات هتلر إلى باكو، لتؤكد الحرب مجدداً أن النفط لم يعد مجرد سلعة تباع في الأسواق، بل أصبح شرياناً يمكن أن يحدد قدرة الجيوش على التقدم، أو يجبرها على التوقف.

منذ تلك الحقبة صار النفط حاضراً خلف كثير من الصراعات والتحالفات والسياسات الدولية، ولا يعني ذلك أن كل حرب شهدها الشرق الأوسط أو العالم كانت حرباً نفطية كما تحب بعض القراءات المبسطة أن تقول، بل إن الثابت هو أن الطاقة أصبحت عنصراً دائماً في حسابات الأمن والقوة، وأن الدول الصناعية الكبرى لم تعد تستطيع النظر إلى مناطق الإنتاج والمضائق البحرية وخطوط الإمداد باعتبارها شأناً بعيداً عنها، لأن توقف برميل في مكان ما قد يشل مصنعاً أو جيشاً أو اقتصاداً في مكان آخر.

لهذا لا يمكن منح باكو ببساطة لقب أول حرب نفط في التاريخ، فالتاريخ أكثر تعقيداً من أن يختزل في عبارة واحدة، لكنها تبقى إحدى المواجهات المبكرة التي كشفت بوضوح القيمة العسكرية والاستراتيجية للنفط، وفي أرضها ظهرت ملامح قرن كامل ستطارد فيه الدول ذلك السائل الأسود من القوقاز إلى الشرق الأوسط، ومن الصحاري إلى أعماق البحار.

لقد قاتل الإنسان عبر تاريخه من أجل الماء والأرض والذهب والملح وطرق التجارة، ثم جاء القرن العشرون ليضيف النفط إلى قائمة الأشياء التي تستطيع صناعة الثروة وإشعال الحروب في آن واحد، ومنذ اكتشفت الإمبراطوريات أن قطرة الوقود تستطيع تحريك آلة الحرب لم تعد آبار النفط مجرد ثقوب في الأرض، بل تحولت إلى نقاط على خرائط الجنرالات ومصالح في مكاتب السياسيين، وأسباب للتحالف، والخوف، والصراع.

وهكذا لم تكن باكو مجرد معركة على مدينة.

كانت إعلاناً مبكراً عن ولادة عصر حروب النفط.

https://anbaaexpress.ma/tzsl9

شادي منصور

كاتب لبناني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى