لم تعد أزمة سبتة مجرد أزمة هجرة غير نظامية، بل تحولت إلى توتر سياسي وأمني ودبلوماسي أعاد ملف سبتة ومليلية المحتلتين إلى واجهة العلاقات المغربية الإسبانية، وفتح الباب أمام سؤال أكثر أهمية: من المستفيد من هذا التوتر، ومن يغذيه؟.
المفارقة الأبرز جاءت من رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، الذي أكد أمام البرلمان أنه لا توجد أدلة تثبت أن الحكومة المغربية خططت أو دبرت موجة العبور الجماعي إلى سبتة، في وقت أثار فيه تقرير أمني إسباني مسرب تساؤلات حول ما وصفه بتساهل عناصر من الأمن المغربي خلال الأزمة. وهو ما يجعل تحميل الرباط مسؤولية التخطيط للعملية أمراً غير صحيح.
روسيا وإسرائيل.. هل غذّتا الأزمة بالتضليل؟
دخل عامل جديد على خط الأزمة بعدما اتهم سانشيز شبكات مرتبطة بروسيا وإسرائيل بالمساهمة في نشر وتضخيم معلومات مضللة حول أزمة سبتة والهجرة، معتبراً أن هذه الحملات استغلت الأحداث لتأجيج الاستقطاب وضرب الحكومة الإسبانية.
لكن الاتهام هنا يحتاج إلى التمييز بين التضليل الرقمي وبين التخطيط المباشر لأزمة الهجرة، فلا توجد حتى الآن أدلة علنية كافية تثبت أن روسيا أو إسرائيل خططتا لموجة العبور، فيما رفض البلدان الاتهامات الإسبانية.
وهذا يفتح احتمالاً آخر: أن تكون الأزمة قد وقعت نتيجة عوامل متعددة، ثم جاءت شبكات التضليل لتستغلها وتضخمها وتحوّلها إلى أزمة سياسية وإعلامية أكبر.
اليمين الإسباني.. المستفيد السياسي الأكبر
إذا كان تحديد الجهة التي صنعت الأزمة لا يزال محل نقاش، فإن تحديد المستفيد السياسي منها يبدو أكثر وضوحاً.
فاليمين الإسباني واليمين المتطرف وجدا في أحداث سبتة فرصة لمهاجمة حكومة سانشيز واتهامها بالفشل في حماية الحدود، وتعزيز خطاب تشديد الهجرة والأمن.
كما تحولت الأزمة إلى ورقة ضغط على الحكومة، في ظل خروج احتجاجات في عدد من المدن الإسبانية وتزايد المطالب بتشديد الإجراءات الأمنية حول سبتة ومليلية.
وفي المقابل، استفادت سلطات سبتة من الأزمة في تعزيز مطالبها بالحصول على مزيد من الدعم المالي والأمني من مدريد، بينما وجد الأوروبيون المطالبون بتشديد حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي في الأزمة حجة إضافية لدعم موقفهم.
المغرب بين الاتهام والاستفادة الاستراتيجية
رغم وضع المغرب في قلب الاتهامات السياسية والإعلامية، فإن موقف سانشيز الأخير يمثل نقطة مهمة: لا دليل على أن الحكومة المغربية خططت لموجة العبور الجماعي.
وفي الوقت نفسه، تؤكد مدريد وبروكسل أهمية التعاون مع الرباط في مكافحة الهجرة غير النظامية وتهريب المهاجرين، ما يجعل المغرب شريكاً لا يمكن الاستغناء عنه في إدارة الحدود والهجرة.
لكن الأزمة أعادت أيضاً ملف سبتة ومليلية إلى الواجهة، خصوصاً بعد تصريحات وزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي، وتصريحات وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق التي أشار فيها إلى عالمين من سبتة، وهي تصريحات فُسرت في إسبانيا باعتبارها إعادة تأكيد للموقف المغربي بشأن المدينتين.
وفي مؤشر على ارتفاع منسوب التوتر، أعلنت مدريد استدعاء السفيرة المغربية لدى إسبانيا كريمة بنعيش في 21 غشت، على خلفية تصريحات مرتبطة بسبتة ومليلية.
أزمة اليوم.. وذاكرة 2021
التوتر حول سبتة ليس وليد اللحظة، فقد شهدت العلاقات المغربية الإسبانية أزمة حادة سنة 2021، عندما عبر آلاف الأشخاص إلى المدينة في سياق توتر دبلوماسي بين البلدين.
لكن ما يحدث اليوم يأتي في بيئة مختلفة، تتسم بصعود اليمين واليمين المتطرف، وتزايد الحساسية الأوروبية تجاه الهجرة، وانتشار المعلومات المضللة عبر شبكات التواصل.
ولهذا أصبحت سبتة اليوم أكثر من مجرد نقطة حدودية، إنها تقاطع بين الهجرة والسيادة والأمن والسياسة الداخلية الإسبانية والحرب المعلوماتية.
فمن المستفيد؟
المشهد يكشف عدة مستفيدين: اليمين واليمين المتطرف الإسباني سياسياً، وسلطات سبتة أمنياً ومالياً، والتيارات الأوروبية المطالبة بتشديد سياسة الهجرة سياسياً، بينما تستفيد شبكات التضليل من تعميق الاستقطاب.
أما الحديث عن روسيا وإسرائيل، فيبقى مرتبطاً باتهامات الحكومة الإسبانية بشأن دور شبكات مرتبطة بهما في تضخيم التضليل، وليس دليلاً على تخطيطهما المباشر للأزمة.
أما المغرب، فليس هناك دليل حاسم على أنه دبر موجة الهجرة، لكنه يمتلك في المقابل أوراقاً استراتيجية مهمة، أبرزها التعاون الأمني والهجرة مع إسبانيا والاتحاد الأوروبي، فضلاً عن موقفه الثابت من قضية سبتة ومليلية.
خلاصة القول
ما يجري في سبتة قد لا يكون مجرد أزمة هجرة، بل أزمة جرى استغلالها سياسياً وإعلامياً من أطراف متعددة.
فبينما تقول مدريد إنه لا دليل على تخطيط الحكومة المغربية للأحداث، تتهم في الوقت نفسه شبكات مرتبطة بروسيا وإسرائيل بتضخيم التضليل، في حين يجد اليمين الإسباني في الأزمة فرصة لمهاجمة سانشيز وتشديد خطابه حول الهجرة والحدود.
وبين هذه الروايات المتشابكة، يبقى السؤال الأهم: هل نحن أمام أزمة هجرة غذّتها المعلومات المضللة، أم أمام أزمة سياسية جرى استغلال الهجرة لإشعالها؟ والأهم.. من يريد أن يستمر هذا التوتر المغربي الإسباني، ومن يدفع ثمنه؟.




