في خضم الجدل الذي أثاره التسجيل الصوتي المسرب والمنسوب إلى رشيد الطالبي العلمي، القيادي في حزب التجمع الوطني للأحرار، خرج فوزي لقجع، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة والوزير المنتدب المكلف بالميزانية، بأول رد سياسي غير مباشر، دون أن يسمي العلمي أو يدخل في مواجهة مباشرة مع مضمون التسجيل، مكتفيًا بتوجيه رسائل حول الممارسة السياسية والاستحقاق ورفض ما وصفه بـ«ثقافة توزيع الغنائم».
لكن لقجع لم يتوقف عند السجال الحزبي، بل انتقل إلى القدرة الشرائية وأسعار الأضاحي، ليطلق عبارة لافتة وصف فيها من حوّلوا فرحة عيد الأضحى إلى قلق لدى الأسر المغربية بـ«الإرهابيين الحقيقيين».
عبارة تفتح الباب أمام سؤال أكثر حساسية: هل كان المسؤول الحكومي يعي دلالة هذا المصطلح وخطورته، وهل يصح وضع المضاربة والاحتكار وارتفاع الأسعار في خانة الإرهاب، أم أننا أمام تعبير سياسي مجازي يحتاج إلى الكثير من التدقيق؟
الإرهابيون بسبب الغلاء؟.. لقجع أمام سؤال المصطلح والمسؤولية
لم يكن كلام فوزي لقجع، خلال اللقاء التواصلي الذي نظمه حزب الأصالة والمعاصرة بجماعة أولاد ناصر بإقليم الفقيه بن صالح، مجرد انتقاد لارتفاع أسعار الأضاحي أو للممارسات التي رافقت سوق المواشي، بل حمل معه سؤالًا أكبر يتعلق بحدود الخطاب السياسي ودقة المصطلحات التي يستخدمها المسؤول العمومي.
لقجع قال، في معرض حديثه عن ارتفاع أسعار اللحوم وتحول فرحة عيد الأضحى إلى مصدر قلق لدى عدد من الأسر المغربية: «الإرهابيين الحقيقيين هم الذين حوّلوا فرحة عيد الأضحى إلى حالة انشغال وقلق لدى مجموعة من الأسر المغربية»، في إشارة إلى المضاربات والاحتكارات وما ارتبط بها من ممارسات في سوق المواشي.
قد يكون المقصود سياسيًا من العبارة واضحًا: إدانة كل من استغل حاجة المغاربة لتحقيق أرباح غير مشروعة أو ساهم في رفع الأسعار والإضرار بالقدرة الشرائية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل استعمال كلمة «الإرهاب» في هذا السياق دقيق؟ وهل يستوعب مسؤول حكومي وقيادي حزبي حجم الدلالة التي تحملها هذه الكلمة؟
بين الغلاء والإرهاب.. لا بد من التمييز
ارتفاع الأسعار، مهما كان سببه، لا يتحول تلقائيًا إلى «إرهاب». والمضاربة والاحتكار، إذا ثبتت ممارستهما، لهما توصيفات اقتصادية وقانونية محددة، بينما الإرهاب مفهوم مختلف يرتبط، في جوهره، باستخدام العنف أو التهديد به أو توظيفه لإثارة الرعب وتحقيق أهداف سياسية أو أيديولوجية، وفق التعريف القانوني المعتمد.
أما الاحتقان الاجتماعي الناتج عن الغلاء وتراجع القدرة الشرائية، فهو ظاهرة اجتماعية واقتصادية وسياسية، وليس إرهابًا في حد ذاته.
وهنا تكمن حساسية عبارة لقجع. فالمسؤول السياسي يستطيع استخدام لغة سياسية قوية في انتقاد المضاربين والمحتكرين، لكنه مطالب، في المقابل، بأن يكون أكثر دقة في اختيار المصطلحات، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بكلمة ذات حمولة أمنية وقانونية شديدة مثل «الإرهاب».
هل المقصود مجازي أم اتهام؟
قد يُفهم كلام لقجع باعتباره وصفًا مجازيًا لمن تسببوا في إفساد فرحة العيد وإثقال كاهل الأسر، وليس باعتباره اتهامًا قانونيًا لهم بارتكاب أعمال إرهابية.
لكن المشكلة أن المسؤول العمومي لا يتحدث في فراغ. فالكلمات الصادرة عن وزير وقيادي حزبي يمكن أن تكتسب وزنًا سياسيًا وإعلاميًا أكبر من الكلام العابر، ولذلك يصبح السؤال مشروعًا: هل يجوز توظيف مصطلح الإرهاب بهذا الاتساع، أم أن الأمر يحتاج إلى لغة أكثر انضباطًا؟
كان بإمكان لقجع، مثلًا، الحديث عن «المضاربين والمحتكرين والمتلاعبين بالأسعار» أو وصفهم بأنهم أضروا بالقدرة الشرائية للمغاربة، وهي أوصاف أكثر تحديدًا وأقرب إلى طبيعة المشكلة التي كان يتحدث عنها.
مسؤولية السياسي تبدأ من الكلمة
المسؤولية السياسية لا تقتصر على اتخاذ القرارات أو الدفاع عن السياسات العمومية، وإنما تشمل أيضًا المسؤولية عن الخطاب.
فحين يتحدث مسؤول عن الأسعار، فهو مطالب بالتمييز بين المفاهيم الاقتصادية والاجتماعية والقانونية، وحين يتحدث عن الإرهاب، فإن الأمر يصبح أكثر حساسية، لأن المصطلح ليس مجرد شتيمة سياسية أو استعارة لغوية، وإنما مفهوم له دلالات قانونية وأمنية واضحة.
ومن هنا، فإن النقاش الحقيقي ليس حول ما إذا كان الغلاء قد أضر بالمغاربة، فهذا أمر يمكن مناقشته بالأرقام والمعطيات. وليس حول حق لقجع في انتقاد المضاربين، فهذا حق سياسي مشروع.
النقاش هو: هل كانت كلمة «الإرهابيين» هي المصطلح المناسب لوصف هذه الظاهرة؟
من يرفع الأسعار مسؤول عن أفعاله.. لكن ليس بالضرورة «إرهابيًا»
إذا كانت هناك مضاربات أو احتكارات أو تلاعب بالأسعار، فالمطلوب هو تحديد المسؤوليات، وفتح التحقيقات اللازمة، وتطبيق القانون على من تثبت مخالفته.
أما نقل هذه الأفعال مباشرة إلى خانة «الإرهاب»، حتى ولو على سبيل المجاز، فيمكن أن يؤدي إلى خلط خطير بين مفاهيم مختلفة: الغلاء، المضاربة، الاحتكار، الاستغلال الاقتصادي، الاحتقان الاجتماعي، العنف السياسي والإرهاب، وكل واحد من هذه المفاهيم له سياقه وأدواته القانونية والسياسية.
وفي النهاية، يبقى السؤال مطروحًا أمام لقجع، ليس باعتباره مجرد سياسي، وإنما باعتباره مسؤولًا حكوميًا: هل كان يعي تمامًا ما تقوله كلمة «الإرهابيين» عندما وضعها في سياق الحديث عن الأسعار؟ وهل يمكن لمسؤول أن يوسع مفهوم الإرهاب إلى درجة يصبح معها كل من تسبب في قلق اجتماعي أو اقتصادي «إرهابيًا»؟
ربما كانت العبارة مجازية، وربما أراد بها لقجع التعبير عن غضبه من استغلال حاجة الأسر المغربية. لكن في الخطاب السياسي، وخصوصًا عندما يصدر عن مسؤول، ليست النية وحدها هي المهمة، بل أيضًا دقة الكلمة، ودلالتها، والرسالة التي تصل إلى الرأي العام.





ما نعيشه اليوم من ملاسنات وصلت أحيانا إلى مستوى غير مستصاغ من السباب والشتيمة، واستعمال ألفاظ و مصطلحات مرفوضة حتى وإن صدرت من قبل مراهقين، لكنها للأسف صادرة عن مسؤولين مؤسساتيين وحزبيين، منهم قدامى وآخرين جدد عن العمل الحزبي، وهو أمر قد يبعث عن الدهشة ويثير الكثير من التساؤلات حول طبيعة العمل السياسي ببلادنا.!
أعتقد أن ما يتداول حاليا، ونحن على مسافة أقل من شهر عن استحقاقات 23 شتنبر 2026 وبما قد تحمله من رهانات حقيقية على مستقبل البلاد، لا يسيء فقط للمسلسل الانتخابي فحسب، بل يخلق مزيدا من الاحباط في نفوس المواطنات والمواطنين المكتوين بنار أسعار المواد الأساسية إلى جانب لهيب المحروقات الذي يشمل جميع مناحي الحياة، والاخطر من ذلك أن هذه الاستحقاقات تأتى بعد الهجرة الجماعية نحو سبتة ومليلية المحتلتين لعدد هام من المواطنات والمواطنين من مختلف الأعمار وهو ما يطرح سؤال المسؤولية الحكومية على الخصوص، وهي أيضا استحقاقات تتزامن مع استعداد الأسر لمواجهة تكاليف الدخول المدرسي للموسم الدراسي 2026- 2027 التي تنخر ميزانيات الأسر المعدومة أصلا.
أمام هذه الاعتبارات وغيرها كثير؛ ألم يكن من الملاءم أن يتجرد المسؤولين السياسيين من انانياتهم ونرجسيتهم، وتغليب المصلحة العامة للبلاد والعباد على المصالح الذاتية والشخصية حتى منها الحزبية، وأن يتحلوا بالشجاعة لمصارحة المواطنات والمواطنين بفشل اختياراتهم وبرامجهم ومشاريعهم الحكومية، وعجز المعارضة على توحيد الصف لايقاف هذه المشاريع والبرامج التي أنتجت، مزيدا من البطالة والفقر والغلاء ووو…، وكان حريا بهؤلاء أن يقدموا على مصالحة ساكنة البلد وأن يتقوا الله في الوطن، عسى أن يشفع لهم ذلك في دفع الناخبات والناخبين للتوجيه إلى صناديق الاقتراع يوم 23 شتنبر 2026، على أمل الفوز ببعض الأصوات التي قد تكسبهم بعض المقاعد، ولنرى ماذا سيكون عليه أمر البلاد والعباد بعد إعلان النتائج وتشكيل الحكومة.
هل سيشهد المغرب تغييرات جوهرية كفيلة بضمان الحقوق المتضمنة بدستور 2011، تعلق الأمر بالحريات الفردية والجماعية، أو الولوج الحقيقي والفعلي للخدمات الأساسية من تعليم وصحة وشغل وسكن وما إلى ذلك، أم ستظل حليمة على عادتها القديمة؟ حكومة تذهب وأخرى تأتي.
إلى ذلكم، يظل باب الأمل في المستقبل مفتوحا.