تقاريرثقافة
أخر الأخبار

بيروت.. أمُّ الشرائع: المدينة التي نافست الآلهة في صناعة العدالة

قلّما يدرك الناس أن اللقب الأشهر لبيروت، “أم الشرائع”، ليس من اختراع الأدباء ولا من مبالغات المؤرخين اللبنانيين، بل هو لقب رسمي منحه الإمبراطور البيزنطي جوستنيان الأول في القرن السادس الميلادي

حين تخيّل الإغريق العدالة، لم يرسموها قانونًا مكتوبًا، بل جعلوها إلهَةً. كانت “ثيميس” تجلس إلى جوار زيوس، تحمل الميزان، وتُجسّد النظام الذي يحفظ الكون من الفوضى. لم يكن القانون عند القدماء مجرد مواد وأحكام، بل كان الفاصل بين الحضارة والهمجية، وبين المدينة والغابة. في هذا السياق، ظهرت بيروت كرمز للعدالة.

لكن التاريخ كثيرًا ما يتجاوز الأسطورة.

فبعد قرون من ولادة ثيميس في المخيلة الإغريقية، ظهرت على الساحل الشرقي للمتوسط مدينة صغيرة لم تحمل ميزان العدالة في يدها، بل صنعته بعقول رجالها. تلك المدينة كانت بيروت، التي لم يخلّدها التاريخ، لأنها انتصرت في الحروب، بل لأنها انتصرت في معركة أكثر صعوبة: معركة العقل على القوة، مما يجعل بيروت مثالًا حيًا للعدالة.

قلّما يدرك الناس أن اللقب الأشهر لبيروت، “أم الشرائع”، ليس من اختراع الأدباء ولا من مبالغات المؤرخين اللبنانيين، بل هو لقب رسمي منحه الإمبراطور البيزنطي جوستنيان الأول في القرن السادس الميلادي، عندما وصفها في مقدمة تشريعاته بـ Berytus Nutrix Legum، أي “بيروت مرضعة الشرائع” أو “أم الشرائع”. ولم يكن هذا الوصف تكريمًا لمدينة جميلة على البحر، بل اعترافًا بأنها أصبحت العاصمة الفكرية للقانون الروماني في الشرق.. ولكن كيف وصلت بيروت إلى هذه المنزلة؟.

بيروت: عاصمة العدالة القانونية

في زمن كانت فيه معظم مدن الشرق تعيش على التجارة أو الزراعة أو الجندية، اختارت بيروت طريقًا آخر. فمنذ أن أصبحت مستعمرة رومانية سنة 15 قبل الميلاد في عهد الإمبراطور أغسطس، بدأت تتحول إلى مركز إداري مهم.

غير أن التحول الحقيقي جاء مع ازدهار مدرسة الحقوق في بيروت، التي أصبحت بين القرنين الرابع والخامس الميلاديين أشهر مؤسسة قانونية في الإمبراطورية الرومانية الشرقية، حتى إن الطلاب كانوا يفدون إليها من آسيا الصغرى ومصر وسوريا وفلسطين وشمال أفريقيا، كما يقصد الباحثون اليوم أعرق الجامعات العالمية.

ولم تكن المدرسة مجرد مكان لتدريس القوانين، بل كانت مختبرًا لصناعة الفكر القانوني. ففي قاعاتها لم يكن الطلاب يحفظون النصوص، بل يتعلمون كيفية تفسيرها، والتمييز بين العدالة والنص، وبين روح القانون وحرفيته. كانت بيروت تدرّس ما نسميه اليوم فلسفة القانون قبل أن يصبح لهذا المصطلح وجود.

وقد خرج من البيئة القانونية التي ارتبطت ببيروت أعظم فقهاء القانون الروماني، وفي مقدمتهم بابينيان وأولبيان، وهما اسمان قد يجهلهما القارئ العربي، لكنهما في كليات الحقوق الأوروبية يعادلان مكانة أرسطو في الفلسفة أو أبقراط في الطب.

لقد أصبحت آراؤهما المرجع الأساسي في تفسير القانون، حتى إن لجنة الإمبراطور جوستنيان، عندما جمعت Corpus Juris Civilis ، اعتمدت بصورة كبيرة على كتاباتهما، وهو ما جعل فكر مدرسة بيروت يعيش بعد سقوط روما نفسها.

وهنا تكمن المفارقة التي تستحق التأمل.

لقد سقطت الإمبراطورية الرومانية، واختفت قصورها، واندثرت جيوشها، لكن قوانينها بقيت. ولم تبقَ لأنها كُتبت في روما، بل لأنها صيغت ونُقحت ودُرست في مدن كان من أبرزها بيروت.

ولذلك فإن معظم الأنظمة القانونية المدنية الحديثة، من فرنسا إلى ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا، تحمل في جذورها أثرًا من ذلك التراث الذي نما على شاطئ المتوسط الشرقي.

إن كثيرًا من المبادئ التي تبدو لنا اليوم بديهية، كحماية الملكية، واحترام العقود، وافتراض حسن النية، ومسؤولية الشخص عن أفعاله، لم تولد فجأة، بل مرت عبر قرون من الاجتهاد، وكان لبيروت دور بارز في صقلها وتدريسها ونشرها.

ولعل هذا ما يجعل لقب “أم الشرائع” أكثر من مجرد عبارة تاريخية؛ إنه شهادة على أن مدينةً في أقصى شرق البحر المتوسط استطاعت أن تؤثر في طريقة تفكير العالم في العدالة.

غير أن التاريخ لا يعرف الثبات.

في صباح التاسع من تموز سنة 551 للميلاد، اهتزت الأرض بعنف. ضرب زلزال هائل الساحل اللبناني، أعقبته أمواج بحرية مدمرة، ثم اندلعت الحرائق في المدينة.

يذكر المؤرخون أن بيروت كانت من أكثر المدن تضررًا، وأن آلاف السكان قضوا في الكارثة، فيما دُمّرت مدرسة الحقوق التي كانت مفخرة الإمبراطورية. نُقلت الدراسة لاحقًا إلى صيدا، لكن المجد لم ينتقل معها، وكأن المكان كان جزءًا من الرسالة.

ولعل أجمل ما في تاريخ بيروت أنها لم تكن مدينةً تعيش على ماضيها، بل مدينةً تنهض كلما ظن العالم أنها انتهت. من الزلزال إلى الغزوات، ومن الحروب الحديثة إلى انفجار المرفأ، بقيت المدينة تحمل ذلك التناقض العجيب، جسدٌ مثقل بالجراح، وروحٌ ترفض الاستسلام.

ربما لهذا السبب أحبها الشعراء، واختلف حولها السياسيون، وعشقها الفنانون. فهي ليست مدينة كاملة، لكنها مدينة حقيقية. مدينة لا تخفي ندوبها، ولا تتظاهر بأنها بلا أخطاء، ومع ذلك تحتفظ بقدرتها المدهشة على إنتاج الحياة، والثقافة، والفكر.

إن أعظم ما أنجزته بيروت لم يكن ميناءً ولا سورًا ولا قصرًا. لقد صنعت فكرة. والفكرة، كما يعلم التاريخ، أطول عمرًا من الحجر. فمن بين أمواج المتوسط خرجت سفن الفينيقيين تحمل التجارة، ومن جبيل خرجت الأبجدية تحمل الكلمة، أما بيروت فقد حملت إلى العالم فكرة العدالة بوصفها علمًا يُدرّس، لا سلطةً تُمارس.

وهكذا، حين نقول إن بيروت أم الشرائع، فإننا لا نستحضر لقبًا قديمًا فحسب، بل نستعيد زمنًا كانت فيه هذه المدينة الصغيرة تُعلّم إمبراطوريةً مترامية الأطراف كيف يُكتب القانون، وكيف تُصان الحقوق، وكيف تبقى الحضارة حيّة، حتى بعد أن تسقط العروش.

https://anbaaexpress.ma/t1sii

شادي منصور

كاتب لبناني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى