آراء
أخر الأخبار

معاناة المرأة في التاريخ

قصة المرأة في التاريخ مليئة بالعبر والحزن

اعترف للقاريء أنني مررت أثناء نضجي الفكري بمراحل أكاد لا أصدق نفسي فيها، بين عدم تشكل وجهة نظر فلسفية للعالم، وبين الحيادية، وفي بعض المراحل أصبنا بمرض التعصب والانغلاق، حتى منَّ الله علينا بالانفتاح والنضج، أو هكذا أزعم.

وهناك من الناس من يتعجبون من تقلبي في هذه المحطات، ويعتبرونها نكسة وتراجعا وارتدادا عن الطريق القويم، وأنا أعذرهم، وأتذكر قول الله تعالى: ﴿كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾. وكذلك خلقنا الله طبقا عن طبق، وخلقكم أطوارا، ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾.

ومن أعجب الأمور التي كانت توحيها البيئة المحلية لنا أن تعليم المرأة يفسدها ولا يرقيها، كما ينقل عن أبي العلاء المعري: “وعلموهن الغزل والنسج، وخلوا قراءة وكتابة”. 

ولقد طبقت هذا أنا بصرامة على أختي، فحرمتها من متابعة التعليم، وأنا أحزن وأندم حتى هذه الساعة، وأتعجب من نفسي. ولكن لو بكى الإنسان دموعا بقدر مياه دجلة، هل سيعيد ما حصل؟

وأنا اليوم أحاول تصليح أخطائي، فهيأت لبناتي أفضل دراسة ممكنة. فأصبحت الأولى عفراء أستاذة جامعية في الفلسفة، والثانية مريم سياسية خطبت في مجلس الأمن في القضية السورية، والثالثة أروى ترجمانة دولية في جمعية الأمم المتحدة بين الوفود الدولية، والرابعة آمنة نالت الماجستير في معالجة ذوي الحاجات، وعندها منبر خاص في هذا الشأن، وهي جدا رومانسية.

حتى أصغر بناتي بشرى درست الحقوق وتخرجت محامية، فهي تدافع في كندا عن العمال الفرنساوية المظلومين والسود أحيانا، ولم ترغب في الطب نهائيا، مع أنني كنت أحلم أن أحد بناتي الخمسة تصبح دكتورة، لأن الطب عمل يدين ومناوبات ليلية مرهقة.

والمهم، فعند تدفق الذكريات، أعرف أنني لست الوحيد الذي هداه الله، كما قال موسى لفرعون: ﴿فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ۝ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾، فلا عجب من انقلاب الأشياء إلى أضدادها.

وكما في الحديث: “الناس معادن، وخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا”. 

وفي يوم، على رواية دفن عمر رضي الله عنه ابنته بنفسه في الجاهلية ثم أصبح عمر الفاروق، وهو أمر يبدو أنه ليس صحيحا، وقد أكدت دور الفتوى مثل دار الإفتاء المصرية وإسلام ويب أنها افتراء محض لا إسناد له.

وفي عام 1899م سمحت ألمانيا للمرة الأولى بأن تدخل البنات كلية الطب فتتخرج طبيبات، وكانت الفتوى أنه لا يليق بالمرأة أن تختلط بالرجال، وأنها لا تتحمل رؤية المصابين، وقطع الأعضاء في الحروب، ومناظر الدم المريعة في الجراحة، ورؤية الجثث في دروس التشريح والجثث عارية، وكأن الجثة تستحي، أو أن الطب يتقدم بدون معرفة كل شيء في الجسد.

وهو ما عاينته أنا شخصيا، فكان صدمة أدمعت عيناي في أول رحلة الطب. وفي ألمانيا يعلمون الطبيب حكمة الكشف عن كل الجسد، لأنه وحدة مترابطة (فحص المريض الكلي ولو كانت أنثى؟).

أما ما عانيت منه يوما، فيجب الكشف عن ثقب بحجم المكان المطلوب، وعلينا مسايرة عقول الناس، وإلا خسر أحدنا رأسه ورزقه في ظروف التعصب.

أما في الولايات المتحدة، فقد كانت سباقة في تعليم البنات، فقد أسست كلية في الطب في فيلادلفيا للبنات، في ولاية بنسلفانيا، قبل نصف قرن من ألمانيا، عام 1848م. وأنا زرت هذه المدينة العريقة، حيث كتب أول دستور لأمريكا.

وحدثني من أثق به، في منطقة مشهورة بالتشدد، أن فوجا من المتشددين هجموا على رئيس بلدية يطلبون منه نفي القرود من البلدة، وكان الرجل قد وضعها تسلية للناس بجانب شلال مائي.

قال المتعصبون إن القرود تمارس الجنس علانية. قال: ولكن هذا يحصل في مزارعكم بين الجمال والمعز والخرفان والأرانب على مرأى ومسمع. قالوا: لا، فالقرود تمارس الجنس في أماكن تجمع ورؤية الناس.

والمهم، ما زالوا بالرجل يأخذونه بين الحبل والغارب، ويمارسون ألوانا من الضغط عليه، حتى نفى القرود إلى غير رجعة، نكالا لها.

وقصة المرأة في التاريخ مليئة بالعبر والحزن. وفي بريطانيا لم يسمح للنساء بالإدلاء بأصواتهن إلا في عام 1912م، بعد يوم حافل من ضرب النساء لمدة ست ساعات على يد الشرطة في قلب لندن، ومقتل اثنتين.

والمهم، فالتاريخ هو رحلة على جسر من المعاناة فوق نهر من الدموع، ولكن تطور الأمور تمشي مثل المشي على حبل الهواة، مهدد بالسقوط مع كل خطوة، فيهوي فيقتل.

https://anbaaexpress.ma/zapb9

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى