آراءثقافة
أخر الأخبار

صناعة الوعي بين التسطيح والحكمة: في نقد الخطاب الدعوي ورهان التربية

على خلاف الفلسفات والأفكار والتأملات البشرية التي تقوم على المساءلة والتحليل المفتوح، يتميز الدين بكونه يلامس العمق الإيماني والوجداني للمؤمن، حيث يمارس تأثيره القوي على طريقة إدراكه للنصوص، وتسليمه للرموز، والامتثال المطلق لشخص الداعية أو الفقيه أو الشيخ، إذ ينظر إليه المتابع ليس مجرد بشر يخطئ ويصيب أو كمجتهد يعرض رأيه، بل كرمز مقدس تتداخل بشريته مع النص الديني ذاته.

وحين يربط القارئ هذه القناعات بالهوية والخلاص الروحي، يصعب إقناعه بتعديل موقفه تجاه رؤية دينية تشربها واستقر عليها وجدانه، لتغدو البنية التفكيرية المغلقة محصنة ضد الفكر النقدي، ليطرح السؤال نفسه بحدة حول مدى إسهام الانغلاق التأويلي لدى الخطابات الدعوية السطحية في إنتاج الجمود الفكري، وحول كيفية قدرة الخطاب العلمي الملتزم بالحكمة على تقديم البديل المعرفي الكفيل بحماية الوعي وإعادة الاعتبار لسماحة الدين ورصانته؟

إن الخطورة تكمن في كون الدين لا يتجلى فقط من خلال القرآن والسنة كنصوص تأسيسية سامية، بل يتمظهر عميقاً في ذلك الداعية الذي يجسد النص في أذهان مريديه، لتتشكل حوله هالة من التنزيه يتماهى فيها الرمز الديني في حسهم مع الملة ذاتها، ويصبح أي مساس بقراءته أو سلوكه بمثابة هجوم مباشر على العقيدة.

هذا الداعية يملك سلطة قوية تمتد جذورها في أعمق أفكار المتابعين وتصوراتهم، مسلحاً بقناعات تراثية يجري استدعاؤها بآلية صلبة تتجاوز منطق العصر، وفقه مسيج بأسوار حريصة تمنع أي مساحة للتأويل التجديدي أو المراجعة التاريخية، ويحيط نفسه بهالة من الوقار المفروض تحول بينه وبين المساءلة النقدية، وبالتالي يصبح رأيه الفقهي موازياً للحق المطلق في نظر أتباعه، ومن ثم تتلاشى أمامه أي محاولة لطرح قراءة عقلانية مغايرة.

وتنعكس تجليات هذا الانغلاق بوضوح في تحويل الفروع الفقهية والجزئيات التعبدية إلى معارك وجودية حاسمة، حيث تُصرف طاقات الأمة في مناقشة تفاصيل شكلية لا تمس جوهر العمران ولا عمق الأخلاق، فتراهم يطرحون مسائل مثل هيئة الصلاة أو طول اللحية أو تفاصيل اللباس وكأنها الإيمان كله.

بينما تتوارى قضايا استئناف الحضارة والعدالة والكرامة الإنسانية، وتصبح المحافظة على قشور المظهر بديلاً عن عمق الممارسة الفكرية، وهو ما نبه إليه مفكرون بحجم الشيخ محمد الغزالي الذي خاض سجالاً طويلاً ضد اختزال الدين في الشكليات والرسوم الظاهرة على حساب المقاصد الكلية وواجب النهوض الحضاري، يرافق ذلك خطاب سوداوي يقتات على تحقير الواقع وعيب مكاسب الإنسان، عبر الاشتغال بمواضيع السحر والشعوذة والنساء والتعدد والحور العين، حيث يُختزل الدين في غرائز ومخاوف مجردة تُغيب العقل والضمير الحضاري، فينجرف الجمهور نحو اهتمامات هامشية تُعطل نهضته وتصرف توجهه عن قضايا العلم والتنمية.

وقلما تجد في هؤلاء الدعاة من يمتلك إطلاعاً حصيفاً على الفلسفة، أو مجاوزة حقيقية لأسوار العلوم الإنسانية والمناهج العقلية المعاصرة، إذ تتلخص بضاعتهم في نقل فتاوى جاهزة، وترديد أحكام منسوبة إلى أسماء فقهية ماضوية استقرت قراءاتها في بيئات زمنية بائدة، وإن حدث وتجاوز أحدهم حدود العلوم الشرعية المباشرة، فإن إطلاعه لا يتعدى التبحر في النحو والبلاغة والمتون اللغوية القديمة، أي تلك العلوم الآلية التي تُسخر تماماً لخدمة التفسير التقليدي وإعادة إنتاج المنظومة القديمة بأدواتها ذاتها.

وهنا يتجلى معمار العقل البياني كما فككه المفكر المغربي محمد عابد الجابري، إذ يسيطر التفسير اللغوي واجترار الألفاظ على حساب العقل البرهاني والنظر العقلاني المقاصدي، وتتجسم هذه الأزمة المعرفية حين يُسأل داعية تقليدي عن معضلات اقتصادية أو اجتماعية معقدة، فلا يجد في ترسانته سوى إجابات صيغت قبل مئات السنين لواقع مختلف تماماً، فيُسقط الحكم القديم على النازلة الحديثة دون مراعاة لتغير المناط أو تطور البنيات؛ كمن يعالج اختلالات التضخم المالي أو المعاملات الرقمية بنصوص فقهية كتبت في ظل اقتصاد ريعي بسيط، مما يحدث شرخاً هائلاً بين المنظومة الفكرية للمتدين وبين الواقع الذي يعيشه يومياً.

وعلى الضفة الأخرى من هذا التسطيح الذي يحبس النص في دوائر الاستهلاك العاطفي والتجييش الرخيص، يقف علماء الدين الراسخون كنموذج عالي الرزانة والحكمة، إذ يمثل عالم الدين الحق رجل اجتهاد ونظر لا مدعي امتلاك للحق المطلق، متفهماً لتعدد وجهات النظر وتطور أدوات المعرفة، لا ينهر المخالفين ولا ينقص من قدر من يخالفه الرأي أو المذهب، بل يحاور بالتي هي أحسن ويملك أخلاقاً عالية تُترجم روح الدين السامية في التواضع والرفق، ويتجلى الفرق الجوهري في التعاطي مع سعة الاختلاف المذهبي والتأويلي.

فبينما يرى الداعية السطحي في كل رأي يغاير ما نشأ عليه خطراً ينبغي استئصاله وتضليله، يتسلح العالم الراسخ بوعي تاريخي يدرك من خلاله أن الاجتهاد ممارسة بشرية تحكمها الظروف والبيئات، فلا يضيق بشرع الله ما وسعه أئمة الهدى عبر التاريخ، بل يقدم النظر المقاصدي على الجمود الظاهري، مستحضراً أن مقصد الدين الأساس هو التيسير ورحمة الخلق وبناء الحضارة.

وهذا شأن كثير من علماء المغرب الذين أصلوا لمنهج متين يقوم على سماحة الفكر ورصانة الطرح، حيث اقترن علمهم عبر التاريخ بروح التسامح والانفتاح، وسلوك يتسم بالوقار والتواضع المعهود في رجالات العلم الفذ، إذ تجدهم أبعد ما يكونون عن الجفاف والتشنج، وأقرب إلى احتواء المخالف وإعمال الحكمة والرفق في إشاعة المعرفة وتوجيه المجتمع، لينعكس هذا الإرث الأصيل على مسلكهم، فيرسخون أنموذجاً يجمع بين رسوخ القدم في العلوم الشرعية وبين الاتسام بالأخلاق العالية والرحمة، مما يجعل مقامهم عصياً على التسطيح، وعلامة فارقة تنير سبل التفكير المتزن وتصون الوعي من غلو الخطابات الطارئة.

ولأن التجاوز الحقيقي لهذه المعضلة لا يتأتى بمجرد نقد المشهد وإبراز تهافته، فقد آن الأوان لتأسيس مدرسة تربوية حقيقية تعلي من شأن العقل والنقد، وتسعى لتنشئة تلميذ قادر على التمييز الواعي والتمحيص المستقل، ليكبر وفي حوزته أدوات الفكر الحصيف التي تحصنه ضد التضليل وتمنحه القدرة على بناء مستقبل متوازن يخدم الدين والدنيا على حد سواء.

ويتطلب هذا البناء التربوي نقلة نوعية في المناهج والممارسات الفصلية، بحيث يتجاوز التعليم شحن أذهان المتعلمين بالحقائق المجهزة والنصوص المغلقة إلى تدريبهم على الحس النقدي وطرح الأسئلة التفكيكية، كأن يُدرب التلميذ على تحليل الخطابات وتفكيك مغالطاتها المنطقية، والتمييز بين الثابت القطعي والظني المتغير، وبين النص الأصيل والتفسير البشري الحاف به، وبذلك تتشكل لديه مناعة فكرية تحميه من السقوط في حبائل التبسيط أو الانقياد الأعمى لأي خطاب يرتدي عباءة التقديس.

تتجلى أبعاد المسؤولية المناطة بالمؤسسات الثقافية والعلمية في ضرورة إعادة توجيه النقاش العام نحو المعرفة الرصينة والمناهج العقلية المتزنة، بغية استعادة البعد الحضاري والروحي الأصيل الذي يحفظ للمجتمعات توازنها ويقيلها من عثرات التسطيح، بينما تضع التغيرات المتسارعة في أدوات التواصل الجميع أمام امتحان معرفي وأخلاقي مستمر، فهل تملك العلوم الإنسانية المعاصرة والاجتهادات الفقهية المقاصدية القدرة على اختراق أسوار هذا الانغلاق وبناء وعي نقدي يفرق بين جوهر الدين الأصيل وبين الخطابات العاطفية الطارئة؟

https://anbaaexpress.ma/b48ct

عبدالله فضول

كاتب مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى