عاد الجدل في الجزائر حول تاريخ اللغة العربية إلى الواجهة، بعد تصريحات أعادت طرح رواية منسوبة إلى الراحل عبد الحميد مهري، تفيد بأن الجنرال شارل ديغول كان وراء فكرة تعريب الجزائر.
وأثارت الصحافية والناشطة حدة حزام الموضوع خلال استضافتها في برنامج على قناة «الخبر» التلفزيونية، مستندة إلى مرسوم فرنسي وقّعه ديغول في 25 يوليوز 1961، أي قبل استقلال الجزائر بأشهر، ونص على إدراج تعليم اللغة العربية في المدارس الابتدائية العمومية.
الرواية أثارت جدلاً واسعاً، بين من اعتبرها مساساً بتاريخ الحركة الوطنية ومكانة اللغة العربية، ومن رأى أن المرسوم لا يمكن فصله عن السياق الاستعماري والسياسات الفرنسية تجاه التعليم والهوية في الجزائر.
وفي قراءة تاريخية للموضوع، يوضح المختص في التاريخ عبد الحق شيخي أن الجدل يقوم أساساً على خلط بين مفهومين مختلفين: تعليم اللغة العربية وتعريب منظومة التعليم.
ويشير شيخي إلى أن مرسوم 25 يوليوز 1961 اقتصر على إدراج العربية كمادة دراسية في المدارس الابتدائية العمومية، ولم يجعلها لغة لتدريس مختلف المواد العلمية والتعليمية.
وبالتالي، فإن مساواة هذا الإجراء بمشروع التعريب الذي عرفته الجزائر بعد الاستقلال، وفق قراءته، تخلط بين مسارين تاريخيين مختلفين.
كما يؤكد شيخي أن إدراج العربية في المدرسة الاستعمارية لم يكن قراراً منفصلاً عن سياق تاريخي طويل، بل جاء بعد سنوات من الصراع والنضال حول مكانة اللغة العربية داخل منظومة التعليم التي أقامها الاستعمار الفرنسي.
وبحسب القراءة التي يقدمها شيخي، فإن القول إن ديغول كان «صاحب فكرة تعريب الجزائر» يحتاج إلى تدقيق تاريخي ومفاهيمي، لأن المرسوم يتعلق بتدريس العربية وليس بتعريب التعليم بالمعنى الذي اتجهت إليه الجزائر بعد الاستقلال.
والسؤال الذي يبقى مطروحاً
هل يمكن فعلاً اعتبار مرسوم فرنسي صدر في الأشهر الأخيرة من الاستعمار نوعاً من «الفضل» الفرنسي في تعريب الجزائر؟ أم أن الأمر يتعلق بإجراء محدود لتدريس العربية، جاء نتيجة سياق سياسي وتاريخي معقد، ولا يمكن مقارنته بمشروع التعريب الذي تبنته الجزائر بعد الاستقلال؟.
بين الرواية التي تمنح ديغول دوراً في تعريب الجزائر، والقراءة التاريخية التي تميز بين تدريس العربية وتعريب التعليم، يبقى الحسم في هذا الجدل رهيناً بالعودة إلى الوثائق والسياق التاريخي الكامل، بعيداً عن الاختزال والشعارات.




