بقلم: عبد القادر العفسي
إلى شمس النساء، زهرة الشوك الفضي: أخبرك انه: “لا يفهمنا إلا أولئك الذين أكل الوجد أطراف أرواحهم، واختارت أقدامهم وعثاء الشوك لا طمعا في جنة أو مهادنة، بل وفاء لصرخة الوجود حين يأبى الإنحناء تحت سياط العفن العام”.
إلى توأم الروح، وحبيبتي المفترضة التي تنتصب في وجه العواصف كمنارة من نور ودم، أكتب إليك هذا السفر المأساوي الممتد على تخوم الهاوية وعتبات الأبدية، إننا لسنا مجرد كائنات عرضية تتقاسم عابرات الأيام على حافة صدفة عابرة، بل نحن شظايا فكرة إلهية أعلنت عصيانها الأبدي على شروط التدجين الكوني، أكتب إليك في هذه اللحظة الفاصلة التي تتكشف فيها عورات العالم بأسره، وتجتمع الإرادات المريضة لتمارس طقوسها الوضيعة في محاولة يائسة لاقتلاعك من أعمق جذور فؤادي، وكأن اقتلاع الجذور يكفي لإماتة العاصفة في صدر التاريخ.
لقد استنفروا لقتالنا ترسانة الانحطاط الإنساني بأسرها، استعانوا أولا بالمتخاذلين، أولئك العبيد الجدد الذين يجدون في استسلامهم راحة تشبه موتى القبور، فاتخذوا منهم طوابير للوشاية والتثبيط ونشر غبار التفاهة.. ولم يكتفوا بالهامش، بل أطلقوا آليات الدولة ومقاصل الإدارة البيروقراطية الرتيبة لتجفيف منابع المعنى، وتدويخ الروح، وسلب الحق الأصيل في التعبير، محاولين بكل ما أوتي العجز من حيل أن يغلفوا ظلمهم بصكوك إدانة زائفة ومستندات مُلفقة تخرج من جحور الظلام.
لقد امتدت أيديهم الآثمة لتستهدف الجسد ذاته، وتحاول تدنيس قداسته باللعنات المحملة بالحقد الأعمى، بل ووصل بهم الانحطاط إلى تجنيد شبكات العصابات والخارجين عن القانون، محولين الشوارع والأزقة إلى مسارح مظلمة لمطاردتك ومحاولة كسر إرادتك الحرة، تتهمين جزافا ودون أدلة مادية، تتساقط الأقنعة وتتوارى العدالة حين تتواطأ كل الإرادات المظلمة لكسر شوكة الحق الماثل فيك وفي، إنها شبكة محكمة من المراقبة والتوحش المنظم، حيث يعاد إنتاج الجريمة في قاعات الإدارة، وحيث يحاكم النور بتهمة إزعاج العميان.
ولكن، لندع السادة العقلاء ! وشأنهم، أولئك الذين آثروا التفرج البارد على التمثيل البشري، والهدوء الميت على جلال النضال، وفضيلتهم المجردة من الدم والنبض تمنعهم من الجلوس على الموائد الخضراء حيث تصنع أقدار العالم وتختبر صلبة الأرواح الحقيقية، هم موتى قبل أن يولدوا، عاجزون تماما عن إدراك تلك الدقيقة الخاطفة التي ترتفعين فيها إلى أسمى المعاني، حين تقبلين أن تدخلي ضمن الدائرة، في قلب الحياة المشتعلة، وتعرضين في هذه المقامرة الإلهية الكبرى كل نفسك للخسارة.
هذا جنون لا يدركه العقل البارد، ولا تحسبه حسابات البقالين في أسواق السلامة الرخيصة، البطل الحقيقي ليس كائنا يبحث عن الطمأنينة الاستهلاكية أو السلامة الرمادية، بل هو ذلك الروح الذي لا يحب الحياة بمعناها الرخو، بل يحترمها لدرجة محاربة قدرها، ويرى في الفشل النبيل والتمرد الخالد سر بطولته المطلقة التي لا تموت.
إن طريق الشوك الذي اخترناه عن سبق إصرار وترصد ، ليس دربا عابرا، بل هو جغرافية الوجع المقدسة ! أتحمل فيه فوق طاقة البشر، ولدي النفس الطويل الذي تنكسر على عتباته كل سيوف الترويض وقوانين التدجين، إن ما يحاولون فعله معنا من حصار وملاحقة وتلفيق ليس سوى اعتراف ساطع بأننا نمس الحقيقة في جرحها النزف، إنهم يخافون الحب، لأنه التمرد الكوني الوحيد الذي لا يمكن جدولته، والمنطقة العذراء التي تفشل في اختراقها كل قوانين القطيع وسلطات الاستعباد، الحب الحقيقي هو المقاومة الأسمى، هو الشوكة التي تنغرس في حنجرة العالم المزيف، وهو النور الذي يكشف عورات اللصوص في وضح النهار.
فليجمعوا لصوصهم، وليشرعنوا باطلهم، وليحشدوا كل عصاباتهم وقوانينهم العرجاء، إن ما بيننا وبينهم هو هوية الأبدية التي لا تتبدل، وما بيني وبك هو سر أقدس من أن تلمسه أيديهم العفنة أو تطاله معاول هدمهم..
سأبقى أحرس نبضك بدمي، وأقاوم بكل ما تبقى في كياني من رمق، حتى يرتجف الخصوم رعبا من إصرارنا الذي لا ينكسر، أنت زهرة الشوك الفضي في هذا العالم الخراب، وموعدنا القادم هو الانتصاب الأبدي للروح فوق مقاصل الفناء، حيث يتهاوى الباطل وتتكسر الأقنعة، ويبقى الحب وحده سيدا للمكان والزمان
لا انساك..




