أخرج الرئيس الأميركي دونالد ترامب قبل أشهر ورقة حصار موانئ إيران المطلّة على مضيق هرمز. فقدت طهران احتكار السطوة على الممر المائي، وبات الجدل يدور حول ثنائية فتح المضيق/رفع الحصار.
أخرج ترامب هذه المرة ورقة أشد خطورة بإعلان عملية “إنزال اقتصادي” تنهل تفاصيلها من حملة كان توعّد بها، أطلق عليها اسم “الغضب الاقتصادي”، توصف في واشنطن بأنها غير مسبوقة في تاريخ العزل المالي.
في 4 آب الجاري أعلن وزير الخزانة سكوت بيسنت أن الولايات المتحدة ستطبق إجراءات عزل اقتصادي لم يشهدها العالم من قبل، تجمع الضغط المالي بالحصار البحري على الموانئ الإيرانية ومضيق هرمز.
قال حينها وزير الحرب بيت هيغسيث إن الضغط العسكري مستمر وبتصاعد، ما يعني أن الضغوط المالية القصوى تتواكب مع ضغوط عسكرية قصوى. تدخّل وزير الطاقة كريس رايت وتنبأ بأن في الاستراتيجية الجديدة خسارة مؤكدة “ستؤدي في النهاية إلى انهيار النظام”.
عشية تلك المواقف، قال ترامب: “نراقب إيران وسط تضخم هائل وحقيقة أنها لا تملك أموالاً”، وأنه سيمضي قدماً في ”مراقبة سوء حالهم الاقتصادي أو ضربهم بقوة شديدة جداً”.
أكملت واشنطن “قصفها” الأبجدي، فوصف السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز “عملية الغضب الاقتصادي” بأنها تدمر الاقتصاد الإيراني، مشيراً إلى أن “الإيرانيين يخشون بيسنت أكثر من هيغسيث”، في إشارة إلى خطورة وزارة الخزانة على إيران أكثر من وزارة الحرب.
تتحدث خطة “الغضب” عن حصار بحري شامل على جميع الموانئ الإيرانية ومضيق هرمز، مع اعتراض ومصادرة السفن المرتبطة بإيران في المياه الدولية.
تشمل الحملة فرض حزم متتالية من العقوبات على شبكات النفط وأسطول الظل والشبكات المصرفية الموازية والكيانات المرتبطة بالحرس الثوري
الأمر مقلق لطهران. ففي 8 آب الجاري قال الرئيس مسعود بزشكيان إن “أهم ما يقلقني الآن ليس هجوماً أميركياً جديداً، بل الوضع الاقتصادي ومعيشة الشعب”.
اعترف بتدهور الوضع، ووصف مستوى ارتفاع الأسعار بأنه “غير مقبول على الإطلاق”، مشيراً إلى أن الحرب والمشاكل الهيكلية السابقة في المياه والكهرباء والغاز والنفط والبنوك والإدارة زادت من تعقيد الأزمة.
ما يميز حملة “الغضب” و “الإنزال” عن سابقاتها أنها تتزامن مع حصار عسكري واحتمال اندلاع جولات جديدة من الضربات. والأهم أنها تقوم على خلفية تغير موازين القوى في المنطقة وفقدان إيران نفوذها الإقليمي الذي كان يوفر لها مسارب الالتفاف على العقوبات.
ناهيك من أن الإدارات السابقة، حتى في عهد ترامب نفسه، كانت تمنح بعض البلدان المتعاملة مع إيران إعفاءات تشمل تحرك السفن وتصدير النفط وحركة الأموال. أما اليوم فالإجراءات الجديدة ترفض هذه المسارب تماماً.
يقول مصدر إيراني قريب من نظام طهران بأن حركة الأموال الإيرانية، بما فيها تلك “الفاسدة” حسب وصفه، التي كانت تنقل إلى كندا ودول أخرى لم تكن لتجري من دون علم واشنطن، وأن مسارب التفاف ضحمة كانت تجري بتواطؤ شركات أميركية وربما بغضّ طرف رسمي، لكن الأمر يتغير.
يكشف المصدر من طهران أن الولايات المتحدة ضغطت منذ بداية العام، أي ما قبل اندلاع الحرب الأخيرة، على الإمارات لوقف التحويلات صوب إيران. يضيف أن الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت قبل الحرب كان سببها ارتفاع سعر العملة الصعبة، وأن السبب الأساسي هو أن الإمارات أوقفت تدفق الأموال عبر الصرافين.
ويتهكم المصدر بأن واشنطن عن غير قصد أفشلت الضغوط المالية التي كان يمكن أن تكون منهكة حين شنت مع إسرائيل الحرب في 28 من شباط الماضي.
يذهب المصدر إلى الكشف أن الاستهداف العسكري الإيراني المكثف ضد الإمارات كان سببه مطالبة طهران بالإفراج عن الأموال. لكن مصادر إماراتية مطّلعة تقول إن مركز دبي المالي جزء من سلسلة مراكز دولية دولارية تسيطر عليها الولايات المتحدة، منها نيويورك وفرانكفورت ولندن وطوكيو.. إلخ، وأن دبي لا تملك، كبقية المراكز، إلا الالتزام بالنظام الدولي بما في ذلك قراراته بشأن إيران.
وتنفي هذه المصادر المزاعم الإيرانية لتبرير همجية الهجمات الإيرانية، وتؤكد أن الإمارات تتعامل بشكل شفاف، وأنها حين توقف التحويلات المالية تعلن ذلك جهاراً وبشكل رسمي، كما فعلت قبل أيام
اصل يهددان بانهيار اقتصادي أعمق ويدفعان نحو تنازلات أو اضطرابات داخلية تكشف تعيينات المرشد الأمنية الأخيرة أن طهران تستعد لاحتمالاتها.
والواضح أن واشنطن تمعن في تغيير قواعد لا تترك لإيران مسارب خلفية، وتضع طهران أمام خيار الاختناق أو التنازل في زمن تغيرت فيه الخرائط.




