سبق أن كتبت عدة مقالات تزامنا وتفاعلا مع صدور عدد من التقارير الوطنية والدولية حول وضعية وقضايا الشباب ببلادنا وأيضا التنمية المتوازنة بين الإنسان والعمران، كان آخرها حول التشغيل، كما ونوعا. واليوم أعود للموضوع على ضوء الحدث المؤسف لعملية الهجرة المكثفة التي هزت الرأي العام، تزامنا مع عيد العرش وما حمله ابخطاب الملكي من معاني ورسائل الاعتزاز والطموح.
ودون الغوص في تفاصيل هذا الحدث الذي لم تتضح بعد خيوطه ومراميه وكيفاته، بقدر ما برزت مآسيه وضحاياه، ودون الخوض في هذه التأويلات، يرصد هذا المقال جوانب متعدد من الأسباب التي تشكل حقائق عن وضعية الشباب، كما يعرض جملة من مفاتيح المعالجة الضرورية للوضعية. وذلك إسهاما في النقاش الوطني الجدي.
لقد وقع هذا الحدث في وقت دخلت فيه بلادنا مرحلة جديدة عنوانها الأساسي “المغرب الصاعد بسرعة واحدة”، يكون فيها الإنسان في صلب الأولويات، وترتكز على ترسيخ العدالة المجالية والاجتماعية كأساس لا غنى عنه للتنمية والكرامة والاستقرار.
لقد حققت بلادنا خلال السنوات الأخيرة تقدمًا مهمًا وملموسًا في مجال البنيات التحتية والتنمية الاقتصادية “العمران”، وهو مجهود وازن يعكس إرادة حقيقية لتحديث البلاد وتعزيز جادبيتها.
غير أن بناء “الإنسان” وضمان كرامته يظل هو المعيار الحقيقي لأي نموذج تنموي ناجح. فالتنمية المادية الحاصلة، مهما بلغت أهميتها، لا يكتمل أثرها إذا لم يواكبه استثمار حقيقي وعميق في الإنسان.
لذلك تبرز قضية الشباب باعتبارها التحدي الأبرز والأكثر إلحاحاً اليوم، لما لها من تأثير مباشر ومصيري على وتيرة النمو، والتماسك الاجتماعي، والثقة في المستقبل.
فلم تعد المسألة مجرد إشكال قطاعي مرتبط بسوق الشغل، بل أصبحت قضية استراتيجية كبرى تمسّ مستقبل الوطن وأمنه واستقراره وازدهاره.
فالشباب ثروة وطنية كبيرة وضامنة للمستقبل متى تم تأهيلهم وإدماجهم بالشكل المطلوب، غير أن تنامي التفاهة والبطالة والهشاشة وضعف الإدماج الاقتصادي يؤدي إلى كلفة اجتماعية واقتصادية باهظة، ويُفقد البلاد جزءًا حيويًا من إمكاناتها البشرية والإنتاجية.
فوضعية الشباب حسب مؤشرات الواقع المسنودة بتقارير رسمية، تكمن في كثير من التحديات، منها:
– أزمة البطالة المرتفعة: تجاوز معدل بطالة الشباب (ما بين 15 و24 سنة) عتبة 30%، مع تسجيل نسب أعلى ومقلقة لدى حاملي الشهادات وفي الوسط الحضري.
– اتساع رقعة فئة (NEET): وجود حوالي ربع الشباب خارج أسوار التعليم أو التكوين أو الشغل.
– معضلة الهدر المدرسي: مغادرة ما بين 280 ألفًا و300 ألف تلميذ لمقاعد الدراسة سنويًا قبل استكمال تعليمهم الأساسي.
– هشاشة سوق الشغل وضعف الحماية: انتشار فرص عمل غير مستقرة تكرس ظاهرة “الفقر رغم العمل”، فضلاً عن الارتباط الواسع للتشغيل بالقطاع غير المهيكل وغياب شروط العمل اللائق.
– إكراهات المقاولات الصغيرة جداً والصغيرة وحتى المتوسطة التي تشكل العمود الفقري للنسيج الاقتصادي الوطني، من حيث التمويل والمواكبة وضمان الاستمرارية.
– الفوارق المجالية: التفاوتات الحاصلة بين المحاور الاقتصادية الكبرى وباقي المدن الصغرى والمناطق القروية في فرص التنمية والخدمات الأساسية.
– عدم كفاية التأطير القيمي والأخلاقي: تراجع جودة السلوك المدني وانحسار أدوار الحواضن الاجتماعية والثقافية في ترسيخ منظومة القيم الوطنية والالتزام والمواطنة المسؤولة والتضامن المجتمعي.
– التحديات النفسية والاجتماعية: الشعور بالإحباط واليأس والشعور بالإقصاء، إلى جانب ضعف الانخراط للشباب في تدبير الشأن العام والفعل المجتمعي.
وعلى الرغم من تعدد البرامج والمخططات العمومية والإمكانات المرصودة في مجال الشباب والتشغيل ودعم المبادرة الاقتصادية، فإن النتائج المحققة ظلت دون مستوى الانتظارات.
لذلك تبرز الحاجة إلى الانتقال من منطق البرامج المتفرقة إلى استراتيجية وطنية مندمجة تجعل من”الشباب والتشغيل” محورًا أساسيًا في السياسات العمومية.
وفي هذا السياق، تبدو الحاجة ملحة إلى إطلاق حوار وطني واسع حول قضايا الشباب والتشغيل خاصة، تشارك فيه مختلف القطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية والقطاع الخاص والمجتمع المدني، إلى جانب الخبراء والكفاءات داخل الوطن وخارجه.
ذلك أن “ملف الشباب” يعد ورشًا وطنيًا استراتيجيًا يتجاوز لارتباطه الوثيق بمسار التنمية ووتعزيز التماسك والاستقرار.
كما يساهم الإدماج الفعّال للشباب في ترسيخ القيم الوطنية والانتماء، وتقوية مناعة المجتمع في مواجهة مختلف أشكال الإضعاف والانحراف والاختراق.
نعرض في القسم الثاني من هذا المقال مقترحا لأهم الأوراش والمداخل الأساسية التي يجب التركيز عليها لمواجهة التحديات المطروحة، وفتح آفاق واعدة أمام شبابنا باعتبارهم رصيد الوطن الأساسي وصناع مستقبله.
أولاً: التعليم والتكوين الأساسي
– إدماج المهارات الحديثة: إدماج المهارات التقنية والمهنية والإبداعية في المنظومة التعليمية منذ السلك الإعدادي، لبناء قاعدة صلبة ومبكرة لدى الناشئة، وتزويدهم بالأدوات الضرورية لمواكبة متطلبات العصر.
– تعميم الفرصة الثانية: تعميم وإلزامية برامج “الفرصة الثانية” في كل المستويات لاستيعاب المنقطعين عن الدراسة، مع توجيه التركيز نحو المسارات التقنية لضمان إعادة اندماجهم بفعالية في مسار التكوين.
– إصلاح التكوين المهني: إصلاح منظومة التوجيه والتكوين المهني لملاءمة المهارات مع التحولات الاقتصادية، مع إيلاء عناية خاصة لإتقان اللغات الحية، والمهارات الرقمية، وثقافة المقاولة والابتكار.
ثانياً: التحفيز الاقتصادي والتأهيل المهني
– آليات تمويل مبتكرة: إرساء آليات تمويل مبسطة ومبتكرة لتسهيل ولوج مشاريع الشباب والفئات الهشة إلى رؤوس الأموال، وتجاوز التعقيدات البنكية التقليدية عبر صيغ وصناديق ضمان ملائمة.
– دعم تسويق المنتجات: دعم تسويق منتجات وخدمات الشباب وابتكار قنوات وأسواق جديدة محلية ودولية، مع مواكبتهم في مجالات الترويج الرقمي والتجارة الإلكترونية لتوسيع قاعدة زبنائهم.
– دعم المقاولة الفردية والناشئة: دعم الاستثمار الصغير جداً والمقاولة الذاتية من خلال تبسيط المساطر الإدارية والبنكية، وتوفير مواكبة ميدانية دقيقة تضمن استمرارية المشاريع ونجاحها على المدى الطويل.
ثالثاً: الاستثمارات العمومية والتشغيل التضامني
– حصة من الصفقات العمومية: تخصيص نسبة لا تقل عن 20% من الصفقات العمومية لشركات الشباب والمقاولات الصغرى، لتمكين رواد الأعمال الشباب من الولوج للطلبيات العمومية وضمان استمراريتها.
– برامج تشغيل استثنائية: إطلاق برامج تشغيل استثنائية في القطاعين العام والخاص لاستيعاب أعداد إضافية من الشباب، عبر تخصيص نسبة تحفيزية وعاجلة من مناصب الشغل لمواجهة البطالة.
– مناطق التنشيط الاقتصادي: تخصيص مناطق للتنشيط الاقتصادي في كافة الأقاليم لصالح الشباب، وتوفير حصص تفضيلية لهم من المناطق الصناعية والحرفية والأسواق التجارية النموذجية.
رابعاً: القطاعات الواعدة والمشغلة
– تعزيز القطاعات الإنتاجية الجادبة: دعم وتعزيز القطاعات ذات القدرة العالية على خلق فرص الشغل، كالزراعة الحديثة، والصناعة التقليدية الخدماتية والفنية، والسياحة النوعية، والبناء، والنقل، والتجارة والخدمات.
– تقوية الاقتصاد الاجتماعي: تقوية الاقتصاد الاجتماعي والتضامني باعتباره قطاعاً واعداً يمتلك قدرة فريدة على إدماج الشباب في النسيج الإنتاجي، سيما في العالم القروي والمدن الصغرى.
– هيكلة العمل عن بُعد: هيكلة وتنظيم اقتصاد العمل عن بُعد والخدمات الرقمية لمواكبة الأعداد الواعدة من المشتغلين لحسابهم عبر الإنترنت، عبر توفير إطار تشريعي وضريبي محفز.
خامساً: العدالة الاقتصادية المجالية
– أولوية التنمية المجالية: إعطاء أولوية مطلقة للشباب في التنمية المجالية بالمدن الصغرى والمناطق القروية، وتوظيف العقار العمومي والأراضي الجماعية لصالح مشاريعهم الاستثمارية المستدامة.
– أقطاب ومراكز ابتكار ترابية: إحداث أقطاب اقتصادية ومراكز ابتكار ترابية تثمينًا للمؤهلات والمزايا التنافسية المحلية لكل جهة، للحد من تمركز الأنشطة الاقتصادية في المحاور الكبرى وحدها.
– تعميم البنيات التحتية: ضمان الولوج المتكافئ للشباب بالعالم القروي لشبكات الإنترنت عالي السرعة، ووسائل النقل العمومي اللائق، ومؤسسات التكوين والترفيه، للحد من نزيف الهجرة القروية.
سادساً: بناء الشخصية وترسيخ القيم
– الاهتمام بالصحة النفسية: إدماج الصحة النفسية والدعم الاجتماعي في سياسات القرب لمواجهة حالات الإحباط والشعور بالإقصاء، عبر إحداث خلايا للاستماع والتوجيه بمؤسسات التعليم ومرافق القرب.
– تجويد البرامج الشبابية: تجويد وتطوير البرامج الدينية والثقافية والرياضية لتكون رافعات أساسية للتخليق والتأطير وتفريغ طاقات الناشئة، باعتبارها خط دفاع أول ضد الانحراف والتهميش.
– تعزيز الثقة المؤسساتية: تحفيز الشباب على الانخراط الفعلي في الشأن العام المحلي والوطني، ومجالس الشباب، والعمل الجمعوي الجاد، مع إشراكهم الفعلي والمسؤول في صناعة القرار.
سابعاً: الشراكات والتعاون
– الاستفادة من التجارب الناجحة: دراسة وتكييف النماذج المقارنة الرائدة وطنيا ودوليا في إدماج الشباب، بما يتناسب مع الخصوصيات والواقع الوطني ومتطلبات التنمية المستدامة.
– الانفتاح على سوق الشغل الدولي: تأهيل وتكوين الكفاءات الوطنية وفق المعايير والشهادات المطلوبة عالمياً، لتشكل رافعة حقيقية للاندماج في الاقتصاد العابر للحدود.
– ترشيد برامج التعاون الدولي: توجيه وترشيد برامج الشراكة والتعاون الدولي لتستهدف القضايا الملحة للشباب، وفي مقدمتها قضايا التشغيل والتكوين وبناء القدرات المؤسساتية.
ثامناً: الوقاية والتحصين
– ترشيد الإنتاج الإعلامي والثقافي: إعادة توجيه الدعم المالي والفني حصرياً نحو الأعمال الإيجابية والهادفة، مع ترشيد أو وقف تمويل المحتوى السلبي، وإرساء معايير وطنية شفافة للتمويل والارتقاء بالمشهد.
– تطوير برامج التأطير وبناء القدرات: تطوير برامج التأطير المتكاملة التي ترسخ الانتماء الوطني وتصقل المهارات القيادية والإبداعية، مدعومةً بمسارات تدريبية حديثة تركز على التفكير النقدي وريادة الأعمال.
– إبراز والاحتفاء بالنماذج الناجحة: إبراز التجارب الشبابية الناجحة والاحتفاء بها مادياً ومعنوياً، من خلال إنشاء منصات وجوائز وطنية سنوية للمبدعين، وإنتاج محتوى وثائقي يروي قصص نجاحهم وإلهام الأجيال.
تاسعا: التواصل والحوار
– إلزامية التواصل المؤسساتي: سنّ قواعد ملزمة لضمان تواصل منتظم ودائم بين المسؤولين والشباب في كافة الإدارات العمومية والمؤسسات الخصوصية، لكسر حواجز الجفاء وتعزيز الثقة المتبادلة.
– تنظيم برامج حوارية مستدامة: إطلاق برامج ومناظرات حوارية مركزية ومحلية مع الشباب وبينهم حول مختلف القضايا ذات الأولوية التنموية، لتبادل الرؤى ودمج مقترحاتهم في صلب النقاش العمومي.
– شبكة المؤثرين والفاعلين: إحداث شبكة وطنية للمؤثرين والوجوه الفاعلة والنزيهة فكرياً وسلوكيّاً، تضم كفاءات من الأطر والشباب والخبرات المتقاعدة، لنشر الوعي الإيجابي وتأطير الفضاء الرقمي والمجتمعي.
عاشرا: الحكامة والقدوة:
– ترسيخ الشفافية المؤسساتية وربط المسؤولية بالمحاسبة: إرساء قواعد الصرامة والوضوح في تدبير الشأن العام، وتفعيل آليات المحاسبة بمسؤولية وجدية، بما يضمن تنزيه مواقع القرار، واستعادة الثقة العامة، وزرع الأمل والتفاؤل في أوساط الشباب.
– تكريس الاستحقاق وتكافؤ الفرص: اعتماد الكفاءة النزيهة والجدارة معياراً حاسماً وأوحداً في تقلد المسؤوليات وتسيير الإدارات، والمؤسسات، والهيآت المنتخبة، ومواقع التأثير، مع القطع الحاسم والنهائي مع كافة أشكال المحسوبية، والرشوة، واقتصاد الريع.
– القيادة بالقدوة والالتزام الأخلاقي: تجسيد القدوة الحسنة والنموذج القيادي الملهم من طرف المسؤولين، والأطر، والسياسيين، والنشطاء، عبر الالتزام الصارم بالنزاهة، والعمل الجاد، ونكران الذات، وتغليب المصلحة العليا للوطن على أي اعتبار.
إن رهان الشباب وخاصة التشغيل والادماج الاقتصادي، هو المحك الحقيقي لنجاح النموذج التنموي. فبلادنا بما راكمته من مكتسبات حضارية ومؤسساتية، وما تزخر به من مؤهلات وازنة وإرادات إصلاحية مخلصة، تمتلك القدرة الكاملة على تجاوز التحديات الراهنة وإبداع حلول مبتكرة تستجيب لتطلعات الشباب وتحصنه من كل التهديدات.
وبلادنا بما تنعم به من مناخ الأمن والاستقرار والجاذبية الاستثمارية، ستتمكن من ترسيخ مكانتها كقطب جاذب للاستثمارات المستدامة الكفيلة بتحقيق نمو اقتصادي منتج لفرص الشغل وضامن للعيش الكريم.
وبلادنا بعد استكمال التجهيزات الأساسية والمرافق الاستراتيجية الكفيلة بتعزيز مسيرة “المغرب الصاعد”، باتت مهيأة لتركيز الجهود على بناء الإنسان وتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية، وجعل الشباب في صلب مسار التنمية العادلة والمستدامة.
وفي تقديم البدائل والحلول فليتنافس الناصحون المخلصون. فسب الظلام يتقنه الجميع.




