آراءمجتمع
أخر الأخبار

خلف الشاشات المفتوحة.. هل الهجرة تعبر عن أزمة انتماء أم هي نتاج للتأثير الرقمي المعاصر؟

في ظل التطورات المتسارعة التي تمس البنية الاجتماعية والتحولات الثقافية المتلاحقة، تباينت التحليلات والآراء القادمة من مختلف المشارب الفكرية حول خلفيات تدفقات الشباب القاصدين الضفاف الشمالية بكثافة وعلانية، حيث يصر اتجاه على حصر الظاهرة في دوافع مالية ضيقة، ويرى اتجاه ثانٍ فيها انعكاساً لمشاعر الغبن والضيم الاجتماعي، بينما يذهب اتجاه ثالث إلى اعتبارها مظهراً من مظاهر انهيار المنظومة القيميّة وفقدان الارتباط بالبيئة المحلية.

فهل تدل هذه التحركات البشرية حقاً على تراجع رابطة الانتماء في الوجدان الجمعي، أم أن السلوكيات المعاصرة تخضع لفاعلية متغيرات عابرة للحدود تعيد تعريف التطلعات وتوجه الاختيارات الشخصية لدى الناشئة والأجيال الشابة؟

إن محاولة إسباغ البُعد المأساوي الوجودي على تنقلات الأفراد عبر البحر تعكس تفكيراً مفرطاً في التجريد ينفصل عن واقع الحياة اليومية، ذلك أن السعي نحو البحث عن آفاق جديدة يمثل دافعاً عملياً نفعياً يتملك الإنسان عبر العصور ولا ينطوي بالضرورة على تنكر للأصول أو كراهية للمحيط الأصلي.

وتثبت النماذج الميدانية المتعددة في بلدان نامية كثيرة، كالهند ودول وسط أمريكا والبرازيل، أن سفر أصحاب الوظائف الثابتة أو من يمتلكون دخلاً مستقراً إلى الخارج يعود إلى تنامي سقف التوقعات الشخصية والمقارنة المستمرة بالمعايير المعيشية الغربية، وليس مرده إلى ضياع المعنى أو انسداد الآفاق الروحية في بيئتهم الأم.

طبعا، الاستدلال بهجرة المراهقين والطلاب الذين لم يختبروا سوق العمل بعد لا يصح اعتباره مؤشراً على أزمة وجودية، بل هو نتاج مباشر للتأثير الرقمي المباشر الذي يتجاوز مجرد الانجراف التلقائي خلف الصور البراقة أو البحث العفوي عن استمالة الأقران، ليصل إلى مستوى التوجيه الممنهج الذي تمارسه شبكات وأطراف توظف الفضاء الأزرق لتأطير هذه الرغبات وتسييرها.

تتجلى الخطورة في تعمد هذه الأطراف صناعة محتوى موجه عبر شبكات التواصل والمنصات المفتوحة لشحن العواطف وتضخيم الإحباطات الفردية، حيث تُستغل الهشاشة النفسية للمراهقين داخل مجموعات مغلقة وصفحات متخصصة لترويج خطاب يعتمد على تبسيط المخاطر والتهوين من تبعات العبور.

ويجري التركيز الممنهج على إبراز نماذج نجاح معزولة واقتطاعها من سياقها المعقد مع التكتم التام على صور المعاناة، بهدف إيجاد حالة من التعبئة النفسية الحثيثة التي تدفع الناشئة نحو اندفاعات جماعية توهمهم بالبطولة.

يتجاوز هذا التوظيف الرقمي الممنهج مجرد الاستفادة من آليات الانتشار، ليتصل بمساعٍ تهدف إلى صناعة مشاهد مأساوية تُستغل لإظهار المجتمع بمظهر العاجز عن احتضان أبنائه.

هذا الشحن المستمر يحول الضحايا المفترضين إلى أدوات في يد صناع هذا المحتوى، الذين يدفعون المراهقين إلى التقاط مقاطع مصورة في وضعيات خطرة ونشرها فوراً للتحصيل المعنوي وصناعة الإثارة، مما يحول السلوكيات التنافسية لدى الشبان إلى حطب لمعارك رقمية ويقطع الطريق على أي تفكير عقلاني أو خيار متأنٍ لدى الفئات المستهدفة.

اختزال المشهد المحلي في القول بتفريغ الفضاء من أدوات النجاح يتجاهل نماذج واسعة لشباب استطاعوا تأسيس مشاريع واعدة في مجالات التكنولوجيا الحيوية والفنون البصرية والحلول الرقمية والخدمات المستقلة، مستفيدين من الإمكانات المتاحة محلياً ليثبتوا أن بناء الذات يرتبط بالاستثمار الفردي وحسن التخطيط.

علاوة على ذلك، يظل المجتمع قادراً برصيده الفكري ونضجه المؤسساتي على استيعاب كافة الظواهر ونقاشها بعقلانية تامة، بعيداً عن تضخيم الأبعاد النفسية أو التهويل الفلسفي لخيارات تخضع بالأساس لجاذبية الأنماط الاستهلاكية الوافدة والتأثيرات الرقمية الموجهة.

يتطلب التعامل الأنجح مع هذا التحدي قيام الإعلام بدوره التنويري والتوعوي المستحق من خلال تبني رسالة هادفة تسلط الضوء على واقع التجارب دون تزييف وتكشف حقيقة المخاطر الميدانية، جنباً إلى جنب مع إعادة الاعتبار للحاضنة التربوية والتعليمية باعتبارها خط الدفاع الأول في بناء الوعي النقدي، من خلال تحديث المقررات والبرامج الدراسية لترسيخ التفكير المستقل لدى المتعلمين وتمكينهم من تمييز المحتوى الزائف.

بالتوازي مع مراجعة أدوات التوجيه الأسري وتفعيل المبادرات المجتمعية الكفيلة بتحصين الناشئة، وتشجيع الطاقات الشابة على استغلال البيئة المحلية لبناء النجاح. فهل ننجح في توجيه طاقات أجيالنا نحو استثمار الممكنات المتاحة وبناء المستقبل من داخل الوطن؟.

https://anbaaexpress.ma/5nn7c

عبدالله فضول

كاتب مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى