حديث الساعةمجتمع
أخر الأخبار

حديث الساعة | من الأندلس.. المغرب وإسبانيا بين ضجيج الحدود وهدوء الحياة

من قلب الأندلس.. حيث تبدو المسافة بين المغرب وإسبانيا أقصر بكثير مما توحي به الخرائط

بعد غياب دام أسابيع عن هذا العمود، أعود من الضفة الأخرى للمتوسط، من إسبانيا، وتحديداً من الأندلس، حيث تبدو المسافة بين المغرب وإسبانيا أقصر بكثير مما توحي به الخرائط.

العلاقة بين الرباط ومدريد تعيش مرحلة استثنائية من التعاون الاستراتيجي، في وقت أعادت فيه تطورات مرتبطة بالهجرة والحدود، بما في ذلك ما شهدته سبتة ومليلية، هذه الملفات إلى واجهة النقاش من جديد.

لكن الأهم من ذلك: من الأندلس.. ماذا تقول لنا إسبانيا عن المغرب؟

من قلب مدينة مالقة، وفي أجواء استثنائية تزامناً مع Feria de Málaga السنوي، أحد أكثر احتفالات الصيف حيوية في الأندلس، لفت انتباهي مشهد إنساني بسيط، لكنه يحمل دلالات أكبر من حجمه: انسجام واضح بين الإسبان والمغاربة، واحتفال مشترك تتراجع فيه الحدود أمام التواصل الإنساني.

في الشوارع والساحات، بدا ذلك التقارب طبيعياً وعفوياً، وكأن البحر الذي يفصل الضفتين لا يستطيع أن يفصل بين شعبين تجمعهما أشياء كثيرة، من الثقافة والتاريخ إلى المطبخ والعادات وروح الاحتفال، فضلاً عن علاقات إنسانية وعائلية واقتصادية متشابكة.

وأنا أتابع هذا المشهد من قلب مالقة، وجدت نفسي أمام مفارقة تستحق التوقف: في الوقت الذي تنشغل فيه السياسة بتعقيدات الحدود والملفات الخلافية، كان الناس هنا يصنعون، ببساطة، جسوراً لا تحتاج إلى مفاوضات.

وهنا تحديداً يطرح الواقع سؤالاً يستحق التأمل: هل تعكس العلاقات بين الشعوب دائماً حجم الخلافات التي تظهر في الخطاب السياسي؟

قد تكون هناك ملفات حساسة، وقد تبرز بين الحين والآخر قضايا الحدود والهجرة وغيرها من الملفات التي تحتاج إلى تفاوض وحوار، لكن الحياة اليومية تقدم صورة أخرى أكثر هدوءاً.

من قلب احتفالات مالقة

وهنا يتجلى المشترك بين البلدين: مغاربة يعيشون في إسبانيا، وإسبان يزورون المغرب ويستثمرون فيه، وعائلات على ضفتي المتوسط، وحركة سياحية وتجارية وثقافية متواصلة، فضلاً عن أجيال جديدة تنظر إلى الضفة الأخرى باعتبارها جزءاً من فضائها الطبيعي.

ومن منطقة كوستا ديل سول في الأندلس، لا تبدو العلاقة المغربية الإسبانية مجرد علاقة بين دولتين متجاورتين، بل علاقة بين مجتمعين تتقاطع مصالحهما وتتداخل تفاصيل حياتهما بشكل يصعب تجاهله.

ولعل ما شاهدته خلال احتفالات مالقة يقدم درساً بسيطاً في العلاقات الدولية: الدبلوماسية لا تُصنع فقط داخل المكاتب وقاعات الاجتماعات، بل تصنعها أيضاً الشوارع والأسواق والمقاهي والمهرجانات واللقاءات اليومية بين الناس.

المغرب وإسبانيا يملكان الكثير من المشترك، ليس فقط بحكم الجغرافيا، وإنما بحكم التاريخ والتفاعل الإنساني المتراكم.

ولذلك فإن إدارة الملفات الخلافية بينهما تحتاج، بقدر ما تحتاج إلى الحزم والدفاع عن المصالح الوطنية، إلى استحضار هذا الرصيد الإنساني الكبير.

فقد تختلف الحكومات، وقد تتعقد الملفات، وقد تعود الحدود إلى واجهة النقاش، لكن الشعوب التي يفصل بينها البحر لا تستطيع أن تلغي الجغرافيا، كما أن الجغرافيا وحدها لا تستطيع أن تلغي التاريخ والمصالح والمستقبل المشترك.

ومن هنا، ربما تكون الرسالة الأهم التي يمكن التقاطها من شوارع إسبانيا اليوم: أن ما يجمع المغاربة والإسبان في الحياة اليومية أكبر بكثير مما قد توحي به لحظات التوتر السياسي، التي قد يستغلها بعض الأطراف للمساهمة في تأجيج التوتر وتعميق سوء الفهم بين الشعبين.

ويبقى السؤال نفسه: كيف نحول القرب الجغرافي والتقارب الإنساني بين المغرب وإسبانيا إلى جسور دائمة، لا مجرد لحظات عابرة؟

https://anbaaexpress.ma/p27br

عثمان بنطالب

ناشط حقوقي دولي مدير عام أنباء إكسبريس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى