تقاريرسياسة
أخر الأخبار

تقرير إسباني.. يفتح نقاشاً حساساً حول دفاع سبتة ومليلية في حال اندلاع مواجهة مع المغرب

السؤال الأصعب: هل تشمل سبتة ومليلية مظلة الناتو؟

أعادت الأزمة الأخيرة في سبتة النقاش داخل إسبانيا حول مدى قدرة مدينتي سبتة ومليلية على الصمود في حال تحولت التوترات السياسية مع المغرب إلى مواجهة عسكرية، في وقت بدأت فيه بعض وسائل الإعلام الإسبانية تتناول المسألة من زاوية مختلفة، تركز على الجغرافيا والإمدادات والجاهزية العسكرية أكثر من التركيز على حجم الترسانة لدى البلدين.

وتبرز صحيفة La Razón أن الحاميات الإسبانية في المدينتين يمكنها التعامل مع سيناريوهات محدودة والدفاع عنهما لفترة معينة، لكنها ستظل بحاجة إلى تعزيزات وإمدادات قادمة من شبه الجزيرة الإيبيرية إذا طال أمد أي مواجهة.

الجغرافيا تمنح المغرب أفضلية في محيط المدينتين

العامل الجغرافي يمثل، بحسب التقرير، أحد أبرز التحديات التي تواجه التخطيط الدفاعي الإسباني. فسبتة ومليلية منفصلتان جغرافياً عن باقي الأراضي الإسبانية، بينما تقعان مباشرة على الضفة المقابلة للمغرب.

وتتميز سبتة بقربها من منطقة الجزيرة الخضراء، ما يسهل نسبياً عمليات الإمداد والتعزيز، لكنها لا تتوفر على مطار قادر على استقبال طائرات النقل العسكري الكبيرة، وهو ما يجعل البحر الطريق الأساسي لنقل المعدات الثقيلة والمؤن والوقود.

أما مليلية فتتمتع بوجود مطار واتصالات بحرية منتظمة مع عدد من الموانئ الإسبانية، إلا أن الاعتماد على النقل البحري يظل ضرورياً خصوصاً بالنسبة للمعدات العسكرية الثقيلة والوقود.

وتزداد أهمية هذه المسألة في حال استمرار الأعمال القتالية لفترة طويلة، إذ لن يكون التحدي مقتصراً على نقل الجنود والذخيرة، بل سيشمل أيضا تأمين الغذاء والمياه والطاقة وقطع الغيار والخدمات الطبية لآلاف المدنيين والعسكريين.

عدد القوات يطرح بدوره علامات استفهام

وتشير تقديرات نقلها المصدر الإسباني عن جمعية الجنود والبحارة الإسبانية إلى وجود نحو 3,145 عسكرياً في سبتة ومليلية، وهو رقم تعتبره الجمعية غير كاف لتغطية جميع الاحتياجات في سيناريو عسكري واسع، داعية إلى تعزيز الحاميات.

غير أن المعادلة لا تتعلق فقط بعدد الجنود الموجودين في المدينتين، وإنما بسرعة وصول التعزيزات وقدرة إسبانيا على الحفاظ على خطوط الإمداد مفتوحة في ظل ظروف قتالية.

في المقابل، يستطيع المغرب، بحكم امتلاكه عمقاً جغرافياً مباشراً حول المدينتين، تحريك جزء من قواته ومعداته عبر شبكات الطرق البرية، وهو ما يمنحه، نظرياً، خطوط إمداد أقصر وأكثر سهولة في المنطقة المحيطة بالثغرين.

تحديث القدرات المغربية يغير الحسابات

ويربط التقرير الإسباني هذه المعطيات بالتطور الذي شهدته القوات المسلحة الملكية خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً في مجالات الطيران والمدرعات والطائرات المسيّرة والدفاع الجوي.

ويشمل ذلك مقاتلات F-16 ودبابات أبرامز ومروحيات أباتشي، إلى جانب توسع المغرب في استخدام الطائرات المسيّرة وأنظمة الاستطلاع والدفاع الجوي.

كما ينتظر أن يحصل المغرب على 25 مقاتلة F-16 Block 72 ضمن صفقة سبق أن وافقت عليها واشنطن، مع الإشارة إلى أن الموافقة على البيع لا تعني أن الطائرات دخلت الخدمة فعلياً، إذ تمر عمليات التسليم والتجهيز والتدريب بمراحل زمنية متعددة.

إسبانيا تملك أوراقاً أقوى إذا اتسعت المواجهة

في المقابل، لا يعني التفوق الجغرافي المغربي في محيط سبتة ومليلية أن ميزان القوة العسكري العام يميل بالضرورة لصالح الرباط.

فإذا تحولت المواجهة إلى صراع أوسع يتجاوز المدينتين، تستطيع إسبانيا الاعتماد على قوة جوية وبحرية أكبر، وغواصات وفرقاطات وسفن إنزال وقدرات استخباراتية ولوجستية متقدمة.

وتستفيد مدريد كذلك من قاعدة صناعية وعسكرية ومن موارد مالية أكبر. ووفق أرقام SIPRI، بلغ الإنفاق العسكري الإسباني عام 2025 نحو 40.2 مليار دولار، مقابل حوالي 6.3 مليارات دولار للمغرب.

لكن حجم الميزانية لا يحسم وحده نتيجة أي مواجهة، إذ إن العامل الحاسم في الساعات والأيام الأولى سيكون مدى جاهزية القوات الموجودة فعلياً بالقرب من منطقة العمليات، وقدرة كل طرف على تحريك التعزيزات والإمدادات.

الجزر والصخور المحتلة أكثر عرضة للعزلة

ولا تتوقف الإشكالية عند سبتة ومليلية، إذ يلفت التقرير إلى وضع عدد من الجزر والصخور التي تسيطر عليها إسبانيا قبالة السواحل المغربية، مثل جزر الحسيمة والجزر الجعفرية وصخرة بادس.

وتوجد في هذه المواقع حاميات عسكرية محدودة وتعتمد بدرجة كبيرة على الإمدادات القادمة من الخارج، الأمر الذي يجعل قدرتها على الاستمرار بمعزل عن الدعم الخارجي محدودة في حال تعرضت لعزل أو حصار.

وتستعيد هذه المعطيات إلى الذاكرة أزمة جزيرة ليلى عام 2002، التي انتهت باتفاق على العودة إلى الوضع السابق وإبقاء الجزيرة خالية، من دون حسم الخلاف بشأن السيادة.

السؤال الأصعب: هل تشمل سبتة ومليلية مظلة الناتو؟

ويصل النقاش إلى واحدة من أكثر النقاط حساسية بالنسبة إلى مدريد، وهي طبيعة الحماية التي يمكن أن تحصل عليها سبتة ومليلية في حال تعرضهما لهجوم.

فالنطاق الجغرافي المحدد في المادة السادسة من معاهدة شمال الأطلسي لا يذكر المدينتين بشكل صريح ضمن الأراضي المشمولة بالمادة الخامسة، الأمر الذي يترك مساحة للتأويل السياسي والقانوني.

ويمكن لإسبانيا اللجوء إلى المادة الرابعة لطلب التشاور مع حلفائها، لكن ذلك لا يعني تلقائياً تدخلاً عسكرياً جماعياً. وستكون طبيعة أي رد مرتبطة بظروف الهجوم ومداه وبالقرار السياسي للدول الأعضاء.

أما الاتحاد الأوروبي، فتمنح المادة 42.7 من معاهدة الاتحاد الأوروبي إطاراً مختلفاً للمساعدة المتبادلة في حال تعرض دولة عضو لاعتداء مسلح، لكن طبيعة المساعدة ووسائل تنفيذها ستظل مرتبطة بقرارات الدول الأعضاء نفسها.

واشنطن تضيف بعداً آخر إلى النقاش

ويكتسب الملف حساسية إضافية في ضوء صياغة وردت في تقرير صادر عن لجنة الاعتمادات في مجلس النواب الأمريكي، وصف سبتة ومليلية بأنهما مدينتان تديرهما إسبانيا، لكنهما تقعان على الأراضي المغربية.

ولا تمثل هذه الصياغة موقفاً قانونياً أمريكياً ملزماً ولا تعكس بالضرورة الموقف الرسمي للإدارة الأمريكية، لكنها تكشف عن وجود نقاش داخل المؤسسات الأمريكية حول الوضع الجغرافي والسياسي للمدينتين.

وبذلك، فإن النقاش الذي عاد إلى الواجهة في إسبانيا لا يتعلق فقط بمن يملك ترسانة عسكرية أكبر، بل بسؤال أكثر تعقيداً: كيف يمكن لإسبانيا الدفاع عن مدينتين محاطتين جغرافياً بالمغرب، وتأمين إمداداتهما في حرب طويلة، وما حجم الدعم الذي يمكن أن تحصل عليه من حلفائها؟

وفي المقابل، فإن أي سيناريو عسكري بين المغرب وإسبانيا يبقى افتراضاً شديد التعقيد، خصوصاً أن البلدين يرتبطان بعلاقات أمنية واقتصادية وسياسية عميقة، ما يجعل كلفة أي مواجهة مفتوحة هائلة على الطرفين.

https://anbaaexpress.ma/vg9r0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى