أعاد تحقيق لوكالة رويترز نشر في 15 غشت النقاش حول أحداث سبتة إلى زاوية مختلفة عن الرواية التي سادت في إسبانيا عقب موجة العبور الجماعي في 30 يوليوز، والتي ربطت التطورات أساسا بفرضية وجود ضغط منظم انطلاقا من المغرب.
وبحسب التحقيق، فإن أحد العوامل الأساسية التي ساهمت في تفجر الأزمة كان قرار قضائي إسباني صدر في 29 يونيو، وضيّق نطاق تطبيق الإعادة الفورية للمهاجرين عند الحدود، بعدما أوضح أن هذا الإجراء لا ينطبق على الأشخاص الذين يدخلون سباحة من دون اجتياز حاجز مادي.
وسرعان ما انتشرت معلومات عن القرار، بالتزامن مع تداول مقاطع مصورة تظهر أشخاصا تمكنوا من الوصول إلى سبتة سباحة، ما شجع آخرين على تكرار المحاولة. ولا يقدم التحقيق، في المقابل، أدلة على وجود عملية مغربية منظمة لتوجيه هذا التدفق.
تحذيرات أمنية سبقت الأزمة
الأكثر إثارة في معطيات التحقيق هو أن الأجهزة الأمنية الإسبانية لم تدخل الأزمة من دون إنذار مسبق. فقد وجهت نقابات تمثل عناصر الحرس المدني والشرطة، من بينها AUGC وSUP، سلسلة من التحذيرات إلى السلطات بشأن تنامي محاولات العبور البحري والاستعدادات المطلوبة للتعامل معها.
وتشير المعطيات إلى أن النقابات أرسلت ستة بلاغات ومراسلات إلى مسؤولين في سبتة قبل وقوع الأحداث، كان آخرها في 23 يوليوز، أي قبل نحو أسبوع من موجة العبور الكبرى، محذرة من تزايد الوصول عبر البحر ومن محدودية التجهيزات والموارد المتاحة للتعامل مع الوضع.
كما طالبت إحدى النقابات بإحداث مركز استقبال مؤقت، بينما نبهت أخرى إلى أن شبكات تهريب البشر تتابع التغييرات القانونية والتنظيمية وتتكيف معها بسرعة.
من فرضية «المؤامرة» إلى سؤال المسؤولية
ورغم هذه التحذيرات، لم تتحول المخاوف التي عبر عنها العاملون في الميدان إلى إجراءات كافية، وفق ما يكشفه التحقيق. كما أن وزارة الداخلية الإسبانية لم تقدم ردا على تلك التحذيرات في حينها، بينما لم يتم عقد لقاء مع النقابات إلا بعد مرور أسابيع على الأزمة.
وكانت الحكومة الإسبانية قد ركزت بعد الأحداث على تأثير المعلومات المضللة ودور شبكات الهجرة غير النظامية في استغلال القرار القضائي وتحفيز محاولات العبور.
غير أن هذه الرواية، حتى مع أهمية دور شبكات التهريب، لا تجيب بالكامل عن سؤال آخر: لماذا لم تتحرك المنظومة الأمنية رغم التحذيرات التي سبقت الأزمة؟
وتعيد معطيات رويترز بذلك توجيه النقاش من فرضيات التدبير الخارجي للأزمة إلى مكامن الخلل داخل المنظومة الإسبانية نفسها، خصوصا في ما يتعلق بقراءة التطورات القانونية والاستعداد المسبق للتعامل مع تدفقات كان العاملون على الحدود قد حذروا من احتمال وقوعها.
وبذلك، لا يلغي التحقيق مسؤولية شبكات التهريب أو تأثير المعلومات المتداولة، لكنه يضعف اختزال أزمة سبتة في فرضية وجود مخطط مغربي، ويطرح في المقابل أسئلة أكثر مباشرة حول جاهزية السلطات الإسبانية، ومدى استجابتها للتحذيرات المهنية، وطريقة تدبيرها لتداعيات القرار القضائي الذي سبق موجة العبور.




