آراءمجتمع
أخر الأخبار

انتفاضة عالمية ضد الجائحة الرقمية.. المغرب أولى بها عسى أن يكون الحسم قريبا

وافقت شركة “ميتا” (Meta)، المالكة لمنصتي “فيسبوك” و”إنستغرام”، على دفع تسوية مالية ضخمة تصل إلى نحو 18 مليار دولار موزعة على السنوات العشر المقبلة، إلى جانب إجراء تعديلات جذرية وملزمة على منصاتها.

جاءت هذه الخطوة لإنهاء دعاوى قضائية موسعة رفعتها غالبية الولايات الأمريكية (نحو 47 ولاية وإقليم)، اتهمت فيها العملاق التقني بتصميم خوارزميات تحفز “الاستخدام الإدماني” لدى الأطفال والمراهقين، وتضليل الجمهور بشأن معايير السلامة، فضلاً عن جمع بيانات القاصرين دون الحصول على موافقة أولياء أمورهم.

أبرز الشروط والتعديلات التقنية المفروضة على “ميتا”:

– سقف زمني للاستخدام: فرض حدود يومية صارمة على أوقات تصفح للمنصات.

– الحظر الليلي وأوقات الدراسة: منع إرسال الإشعارات خلال ساعات الدراسة وتفعيل حظر ليلي للتطبيقات.

– التحقق الصارم من الأعمار: تطوير أنظمة تقنية متطورة لمنع الأطفال دون السن القانوني ومنع إنشاء حسابات وهمية.

– رقابة أسرية معززة: توفير أدوات وميزات تمنح أولياء الأمور صلاحيات واسعة للتحكم الفعّال في نشاط أبنائهم الرقمي.

وعلى الرغم من إبرام هذه التسوية الضخمة، لا تزال الشركة تواجه تحديات قانونية محلية أخرى ودعاوى منفردة رفعتها مدارس ومستخدمون شباب في مختلف أنحاء الولايات المتحدة للمطالبة بتعويضات عن الأضرار النفسية والسلوكية المرتبطة بالاستخدام المفرط.

أرقام مقلقة وتداعيات عميقة للاستعمال المفرط

لم تأتِ هذه المتابعات القضائية والتحركات التشريعية من فراغ، بل استندت إلى تقارير علمية ومؤشرات ميدانية ترصد كلفة باهظة تدفعها الأجيال الناشئة جراء الاستخدام المفرط لشبكات التواصل:

– اضطرابات صحية ونفسية حادة: تؤكد دراسات الطفولة والصحة النفسية ارتباط الاستخدام المفرط بتصاعد معدلات الاكتئاب، وقلق الانفصال، واضطرابات النوم المزمنة نتيجة السهر الطويل أمام الشاشات.

– العزلة الاجتماعية: تكشف المؤشرات عن تراجع ملحوظ في التواصل المباشر والتفاعل الأسري، مما يؤدي إلى انطواء الناشئة وعزلتهم عن محيطهم الطبيعي.

– نزيف التحصيل الدراسي: تُظهر تقارير قطاع التعليم تراجعاً في مردودية التركيز والانتباه داخل الأقسام، وانخفاضاً في التحصيل المدرسي بسبب التشتت المستمر الناتج عن تتبع التنبيهات الافتراضية.

– مخاطر قصوى تصل إلى الانتحار: في الحالات الأشد قتامة، رصدت تقارير طبية وقضائية حالات ارتبط فيها التعرض للتنمر الرقمي أو التحديات الخطيرة والمحتويات المحبطة بميول انتحارية وسلوكيات مضرة.

ليست “ميتا” وحدها: متابعات قضائية تطال عمالقة التكنولوجيا

لا تقتصر الدعاوى القضائية والإجراءات القانونية على شركة “ميتا” وحدها، بل تشمل تقريباً جميع عمالقة التكنولوجيا ومالكي منصات التواصل الاجتماعي الكبرى، حيث تواجه شركات مثل “تيك توك”، و”جوجل/يوتيوب”، و”سناب شات” موجة غير مسبوقة من القضايا والتحقيقات المرتبطة بإدمان الأطفال والأضرار النفسية، ومن ذلك:

– تيك توك (ByteDance): تواجه آلاف الدعاوى القضائية في المحاكم والمقاطعات بسبب خوارزميات التمرير اللانهائي ومحتوى يغذي اضطرابات الأكل والاكتئاب، وقد لجأت لإبرام تسويات سرية لتفادي المحاكمات العلنية.

– جوجل / يوتيوب (Alphabet): تُعد طرفاً رئيسياً في الدعاوى الموحدة باعتبار المنصة الأكثر استخداماً بين الأطفال، وطالتها أحكام بالمسؤولية المشتركة في محاكمات سابقة حول الأضرار النفسية.

– سناب شات (Snap Inc): واجهت دعاوى قوية رفعتها ولايات أمريكية وعائلات متضررة بشأن تصاميم تغذي الاعتماد القهري وثغرات تتعلق بسلامة القاصرين، ما دفعها لإبرام تسويات مبدائية في عدة قضايا.

تحركات دولية غربية غير مسبوقة

لا تقتصر المعركة ضد أساليب الإدمان الرقمي وحماية الأطفال على الولايات المتحدة وحدها، بل أفرزت هذه الأزمة موجة من التحركات التشريعية والقضائية الحاسمة في مختلف قارات العالم، نذكر منها:

– أستراليا (ريادة الحظر العمري الشامل): أصبحت أستراليا الدولة الأولى عالمياً التي أقرت تشريعاً حاسماً يحظر استخدام منصات التواصل الاجتماعي تماماً للأطفال دون سن 16 عاماً، مع فرض غرامات هائلة على الشركات غير الملتزمة.

– بريطانيا (مطالبات بمساواة الحماية): طالبت الحكومة البريطانية “ميتا” بتطبيق نفس إجراءات الحماية الصارمة المطبقة في أمريكا على المراهقين البريطانيين.

– الاتحاد الأوروبي (قوة التحقيق عبر قانون الخدمات الرقمية DSA): فتحت المفوضية الأوروبية تحقيقات موسعة وسط تهديدات بفرض غرامات فلكية تصل إلى نسب مئوية ضخمة من الإيرادات العالمية.

– فرنسا ودول أخرى: أقرّت فرنسا تشريعات لتنظيم وحظر استخدام المنصات لمن هم دون سن 15 عاماً دون موافقة أولياء الأمور.

تحرك عربي وإسلامي: منظومة صارمة

لم تقتصر موجة المواجهة على الدول الغربية، بل امتدت لتشمل العديد من الدول العربية والإسلامية التي سارعت إلى إرساء قواعد سيادية وتشريعية صارمة.

فقد اتخذت بعض الدول، كالمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وماليزيا وأندونيسيا وتركيا، وأخرى، خطوات استباقية نوعية تجسدت في منظومة تدابير متكاملة، أهمها:

– تحديد السن القانونية: إقرار حد أدنى واضح للاستخدام (يتراوح بين 15 و16 عاماً) كشرط أساسي لامتلاك الحسابات.

– آليات الموافقة الأبوية: فرض ضوابط صارمة تمنع فتح الحسابات دون موافقة وتوثيق من أولياء الأمور.

– الجزاءات المالية الرادعة: تلويح الدول بفرض غرامات مالية ضخمة على الشركات التقنية المخالفة.

– حظر الاستغلال التجاري الرقمي: تشديد الرقابة لمنع استغلال الأطفال في المحتوى اليومي التجاري أو الأنشطة المضرّة بالسلامة النفسية.

– تقييد التصميمات الإدمانية: إلزام المنصات بتعطيل الإشعارات المشتتة وتخفيف آليات الجذب القهري.

تُشير هذه التطورات المتلاحقة عالمياً إلى أن الضغوط القانونية والمجتمعية تحولت بخطى حثيثة لتصبح معياراً عالمياً إلزامياً يعيد كتابة قواعد عمل شركات التقنية الكبرى، ويفرض عليها مسؤولية قانونية وأخلاقية صارمة لحماية الناشئة والشباب وبالتالي الأسر والمجتمعات.

السياق المغربي: ضرورة التعجيل بالحسم

​يتفاعل المشهد الوطني في بلادنا مع هذه الدينامية العالمية والعربية عبر مستويات متداخلة تعكس حساسية الواقع الرقمي وتداعياته المصيرية على الفضاء العام، مما يفرض حتمية التعجيل بالحسم.

وتتصاعد أصوات الفعاليات المدنية والحقوقية والأسرية للمطالبة بإرساء إطار تنظيمي وقانوني صارم يضبط استخدام المنصات الرقمية.

​وتعتبر المتابعات القضائية والأحكام الزجرية بداية حازمة في مواجهة صفحات وحسابات رقمية متورطة في الترويج للتفاهة، والتردي الأخلاقي، والتحريض على الجريمة الرقمية والمساس بالحياة الخاصة.

لكن ذلك لا يكفي؛ فقد بات لزاماً تجاوز التردد المعهود نحو إقرار مبادرات تشريعية حاسمة تضع حداً للفوضى الرقمية، وتضمن صون وتثمين كنز المملكة ومستقبلها المتمثل في الشباب، مع حماية الحاضن الأساس لأسس امارة المؤمنين والهوية الوطنية الراسخة، والمتمثل في القيم الأصيلة والأخلاق الرفيعة والأسرة المغربية باعتبارها الحصن المنيع للمجتمع.

https://anbaaexpress.ma/3yhkh

عزيز الرباح

وزير سابق رئيس مبادرة الوطن أولا ودائما

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى