تثير مسألة مأسسة الشأن الديني وتوحيد خطبة الجمعة نقاشاً فكرياً وفقهياً واسعاً داخل المجتمع، حيث يتجاذب المشهد رأيان، أحدهما يرى في التوحيد ضماناً للاستقرار الفكري، والآخر يعتبره تقييداً لدور المنبر التوجيهي، فكيف يمكن فهم هذا التناقض المنهجي لدى بعض الدعاة الذين يجمعون بين تحريم مغادرة الصلاة والطعن المباشر في مضمون الخطبة الموحدة، وكيف تؤثر هذه الازدواجية والمزايدات الفكرية في شحن الناشئة وتأجيج الصراع الفكري حول الشأن الديني؟
تتجلى هذه الإشكالية في مسلكين متكاملين يصبان في الاتجاه نفسه، يظهر أولهما حين يُستفتى أحد الدعاة في نازلة شرعية تتعلق بموقف المصلين الذين يغادرون المسجد احتجاجاً على عدم إعجابهم بموضوع الخطبة الموحدة أو طريقة إلقاء الخطيب، فيجزم بعدم جواز الخروج من الصلاة بعد الدخول فيها مستدلاً بالحديث النبوي الشريف الذي يقرر أن الأئمة يصلون للناس فإن أصابوا فللمصلين ولهم الأجر وإن أخطأوا فللمصلين الأجر وعلى الخطباء الإثم.
ومؤكداً أن هذا التصرف يحدث الفوضى ويؤدي إلى هجر بيوت الله، غير أنه في الوقت ذاته يوجه انتقادات حادة وشديدة اللهجة للخطبة الموحدة واصفاً إياها بأوصاف تنتقص من قدرها وتحول الخطيب إلى مجرد قارئ لنص مكرر لا يتفاعل مع القضايا الحارقة كالهجرة والتحديات الاجتماعية.
هذا الجمع المتناقض بين تحريم الخروج وتوجيه السهام للخطبة الموحدة يعكس ازدواجية صريحة، إذ إن تشبيه الخطبة المنبرية بنشرة الأخبار ينطوي على تبسيط مخل ومسٍّ بحرمة المنبر الشريف، متجاهلاً أن صياغة المواعظ عبر المجالس العلمية المتخصصة تهدف بالأساس إلى تحصين المضمون الشرعي من الخلل وضمان استناد المواعظ إلى العلم الرصين والقيم الجامعة بعيداً عن الأهواء والارتجال.
كما أن الاستمرار في الاعتماد على الشحن العاطفي وتغليب الانفعال يعكس ارتهاناً لأسلوب درامي لم يستوعب بعد دروس الماضي والتجارب التاريخية للحركات الإسلامية وما آلت إليه في أقطار متعددة.
ويتجلى هذا الشطط بشكل أكثر حدة في المسلك الثاني لدى نموذج آخر من الدعاة المقيمين بالخارج، حيث تكمن الخطيئة الجوهرية في خطابهم المتطرف في احتكارهم الحاسم لمفهوم الحق واختزاله في موقف حاد يصادق على أهوائهم ويقصي ما سواه، متجاهلين أن الشأن العام وفقه المقاصد يتطلبان قدراً كبيراً من الحكمة ومراعاة المصالح والمفاسد وفهم الممكن والمتاح.
كما أن دعوتهم إلى إفراغ المنابر واعتزال الخطابة عند عدم القدرة على مجاراة منطقهم الصدامي ليست سوى محاولة مكشوفة لتفريغ الساحة من الأصوات المتزنة والعاقلة وفسح المجال كاملاً لخطاب الغلو والاندفاع، ليمتد هذا المسلك إلى إرهاب المصلين وعامة الناس ونشر التوجس في نفوسهم وإشاعة الفتنة والتشكيك بين المجتمع ودعاته، مما يجعل هذا الطرح نموذجاً صارخاً للمزايدة الفكرية التي تهدم الاستقرار ولا تخدم ديناً ولا مجتمعاً.
إن هذا الغمز المتواصل في مشروعية الخطبة الموحدة، وهذا التجييش العابر للحدود، يغذيان الفتنة والفكر الاحتجاجي لدى الناشئة، مما يدفع كثيراً من الشباب إلى ارتكاب سلوكيات مستحدثة كالمغادرة وتجاوز أدب الجمعة، لتصبح هذه الشريحة من الدعاة مسؤولة مسؤولية مباشرة عن شحن هؤلاء الشباب وتوجيههم نحو التمرد على حرمة المساجد، في حين أن واقع الأمة يظهر تفانيها في عمارة بيوت الله والتزامها بسكينة مذهبها الراسخ ونظامها المؤطر لحفظ الأمن الروحي.
ثم إن هذا التناقض يزداد جلاء حين ينادي هؤلاء الدعاة بضرورة ملامسة الخطبة للواقع، فإذا ما تطرقت الخطبة الموحدة لقضية حارقة كالهجرة التي تشغل الرأي العام تُقابل بالاحتجاج والتشكيك، مما يبيّن أن المشكلة ليست في المضمون بل في المعارضة المبدئية والخصومة لكل ما يصدر عن المؤسسة الرسمية.
ويحز في النفس أن بعض الكتاب المشتغلين بالفكر الدعوي يمررون دعاوى زائفة تقتضي تحويل الخطبة إلى منصة للنزاع السياسي، حيث يدعي هؤلاء أن خطبة الجمعة تكتفي بمخاطبة المواطنين وتتجاهل المسؤولين ورجل الدولة، وهو ادعاء يتغافل عن مغالطة منهجية فادحة في فهم مقاصد الشريعة.
إذ إن المنبر أُسس بالأساس للوعظ والتذكير وتزكية النفوس وغرس القيم الأخلاقية التي تخاطب الإنسان بصفته مكلفاً ومسؤولاً أمام الله بغض النظر عن موقعه الاجتماعي، فالخطاب المنبري حين يوجه أمره بالعدل والنزاهة والنهي عن الفساد، فإنه يخاطب الموظف والتاجر والمسؤول ورجل الدولة على حد سواء، لأن الشريعة لا تجزئ القيم ولا تخص فئة بوعظ دون أخرى.
يضاف إلى ذلك إشكال جوهري آخر يفرض نفسه بحدة، وهو أن موضوع الخطبة مهما كان فلن يحظى بإجماع الأطراف المتعددة، فالخطبة التي ترضي طيفاً فكرياً لن تقبلها أطياف أخرى، ونظراً لهذا التشتت الفكري والسياسي، فإن المأسسة تظل الخيار الوحيد لمنع تحول المساجد إلى ساحات للصراع، فضلاً عن أن المحاسبة الإدارية والسياسية لها أطرها المؤسساتية والقانونية المحددة، وتعمُّد إقحام المنبر في مساجلات مباشرة يكشف عن خلط بين مفهوم النصيحة الدينية الجامعة وبين الخطابة السياسية التي تشتت جمع المصلين.
إن الإصلاح المتزن يتطلب تجاوز إرث الطعن والتضليل، وإدراك أولويات المرحلة بالعقول الرزينة التي تجمع ولا تفرق، والاعتماد على الاعتدال والكلمة الطيبة والوعي بمقاصد الشريعة بدلاً من الشحن النفسي وإلقاء التهم جزافاً، فضلاً عن تربية الشباب على المواطنة والوعي وتحصينهم من خطاب الغلو والتطرف بغرس القيم الجامعة وترسيخ احترام المؤسسات الرسمية والشأن الديني المؤطر.
إذ يبدأ الإصلاح الحقيقي حين يترجل الجميع عن مركب التعصب والانفعال، وتُصرف الجهود كلها نحو البناء والتنمية والتعايش في ظل راية تجمع الشمل وتصون أمن الوطن واستقراره، فهل تستطيع الأمة تجاوز هذه الازدواجية الخطابية والمزايدات الفكرية لبناء وعي ديني متزن يحفظ للمساجد هيبتها وللمجتمع تلاحمه الفكري والروحي؟




