آراءمجتمع
أخر الأخبار

هل تصمد المادة 77 من قانون المحاماة أمام الرقابة الدستورية؟

كما يثير النص تساؤلا آخر يرتبط بحدود السلطة التشريعية نفسها..

د. خالد خالص

يعد مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، المعروض حاليا على المحكمة الدستورية، من أبرز الإصلاحات التشريعية الرامية إلى تحديث الإطار القانوني المنظم للمهنة.

وقد سبق أن تناولنا في دراسات متعددة نشرت سابقا بعض الإشكالات الدستورية التي يثيرها هذا المشروع، ونخصص هذه الدراسة لمناقشة الفقرة الثانية من المادة 77، التي تنص على أنه “يمكن لمجلس الهيئة اقتطاع مبلغ من أتعاب المحامي المصفاة وفق أحكام هذه المادة على ألا يتجاوز هذا الاقتطاع نسبة 10% من الأتعاب المذكورة.”

ويثير هذا المقتضى جملة من التساؤلات الدستورية التي لا تتعلق، في جوهرها، بمشروعية تمويل هيئات المحامين، فذلك هدف مشروع لم يكن محل خلاف إلا ناذرا، إذ لطالما اعتمدت الهيئات على موارد قانونية متنوعة، من قبيل واجبات الانخراط والاشتراك والدمغة المقررة قانونا (المادة 120 من القانون 66.23)، وغيرها من الموارد المقررة تنظيميا التي تختلف من هيئة إلى أخرى.

كواجبات ملفات تحديد الأتعاب، ومقابل الخدمات الإدارية المختلفة، واقتطاعات نسب معينة من أتعاب المحامين منذ انشاء صناديق الودائع إضافة إلى اقتطاع نسب من اتعاب ملفات حوادث السير وأخرى من ملفات نزع الملكية منذ انشاء بعض الهيئات لأنظمة التكافل من خلال أنظمتها الداخلية الخ (الفقرة 12 من المادة 120).

غير أن مشروعية الغاية لا تعفي من ضرورة فحص مشروعية الوسيلة التي اختارها المشرع في القانون 66.23 لتحقيقها، إذ لا ينصب النقاش على مبدأ تمويل الهيئات في حد ذاته، وإنما على الوسيلة التي اعتمدها المشرع لإحداث هذا المورد الجديد، ومدى انسجامها مع المبادئ الدستورية، وعلى رأسها الشرعية، والمساواة، والأمن القانوني، وحدود السلطة التقديرية.

وأول ما يلفت الانتباه في المادة 77 أن المشرع لم يحدد نسبة الاقتطاع، وإنما اكتفى بالنص على ألا تتجاوز 10%، تاركا لمجلس الهيئة سلطة تقديرية واسعة في تحديدها. ويعني ذلك، من الناحية القانونية، احتمال اختلاف الهيئات في تحديد نسب الاقتطاع من جهة وإمكانية إخضاع نفس الهيئة من جهة أخرى لأحد المحامين المسجلين بها لاقتطاع بنسبة 1%، وآخر بنسبة 5%، وثالث بنسبة 10%، رغم تماثل مراكزهم القانونية، ودون أن يضع القانون أي معايير موضوعية أو مجردة تبرر هذا الاختلاف في المعاملة.

وهنا يثور التساؤل حول مدى انسجام هذا المقتضى مع مبدأ المساواة أمام القانون، الذي يقتضي أن يكون اختلاف المعاملة قائما على معايير قانونية واضحة، لا على سلطة تقديرية غير مؤطرة.

كما يطرح النص إشكالا من زاوية الأمن القانوني، لأن المحامي لا يستطيع أن يتوقع مسبقا مقدار العبء المالي الذي سيتحمله، مادامت نسبة الاقتطاع ليست محددة سلفا، ولا تخضع لأي ضوابط تشريعية معلنة.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد، إذ إن المشرع جمع بين سلطتين داخل المؤسسة المهنية نفسها؛ فالنقيب الذي يمثل الهيئة هو الذي يتولى تحديد وتصفية الأتعاب، بينما يملك مجلس الهيئة سلطة اقتطاع جزء من تلك الأتعاب لفائدة الهيئة.

ولا يعني ذلك التشكيك في نزاهة المؤسسات المهنية أو القائمين عليها، وإنما يثير تساؤلا قانونيا حول مدى كفاية الضمانات التي وضعها المشرع لتجنب أي تعارض موضوعي للمصالح، وهو ما يفترض أن يعالجه القانون نفسه من خلال قواعد دقيقة وواضحة.

ويثير النص كذلك إشكالا آخر لا يقل أهمية، يتمثل في غياب التكييف القانوني للاقتطاع. فهل يتعلق الأمر بمساهمة مهنية؟ أم برسم؟ أم بمقابل خدمة تقدمها الهيئة؟ أم بمورد مالي من طبيعة خاصة؟ إن القانون لا يجيب عن هذا السؤال، رغم أن تحديد الطبيعة القانونية لأي اقتطاع يعد أساسيا لمعرفة النظام القانوني والمالي الذي يخضع له.

ويترتب على هذا الغموض إشكال عملي آخر يتعلق بالمعاملة الجبائية والمحاسبية لهذا الاقتطاع. فإذا حددت أتعاب المحامي في مبلغ معين ثم اقتطع مجلس الهيئة جزءا منها، فهل تؤدى الضريبة على مجموع الأتعاب المحددة، أم على المبلغ الذي بقي للمحامي بعد الاقتطاع؟ وهل يعد الجزء المقتطع دخلا للمحامي أدى عنه مساهمة لاحقة، أم أنه لا يدخل أصلا في ذمته المالية لأنه ينتقل مباشرة إلى الهيئة؟ إن النص لم يحسم هذه المسألة، رغم ما يترتب عليها من آثار عملية تمس الوعاء الضريبي، والمحاسبة، والتصريح الجبائي، وهو ما يزيد من حالة الغموض التي تحيط بهذا المقتضى.

كما يثير النص تساؤلا آخر يرتبط بحدود السلطة التشريعية نفسها.

فإذا كان الدستور قد عهد إلى القانون بتنظيم الحقوق والالتزامات الأساسية، فإن ذلك يقتضي أن يتولى المشرع بنفسه تحديد العناصر الجوهرية لأي التزام مالي، وألا يكتفي بوضع سقف عام ثم يترك تحديد النسبة ومعاييرها لسلطة أخرى. فالمبدأ لا يتعلق بمدى حسن استعمال مجلس الهيئة لهذه السلطة، وإنما بمدى استيفاء القانون نفسه لمتطلبات الوضوح والشرعية.

ومن الناحية العملية، تظل أسئلة أخرى مطروحة دون جواب: هل ستكون قرارات تحديد نسبة الاقتطاع معللة؟ وهل ستخضع لمراقبة قضائية مستقلة؟ وما مصير المبلغ المقتطع إذا عدلت الجهة القضائية المختصة مقرر تحديد الأتعاب أو خفضت قيمتها؟ وهل سيعاد احتساب الاقتطاع تلقائيا أم سيظل على حاله؟ إن غياب الإجابة عن هذه الأسئلة يكشف أن النص لم يستكمل الضمانات اللازمة لتطبيقه بصورة تحقق اليقين القانوني.

إن الغاية من إثارة هذه الملاحظات ليست الاعتراض على تمويل هيئات المحامين، وإنما الدعوة إلى أن يتم هذا التمويل في إطار تشريعي واضح ومتوازن، يحترم مبادئ المساواة، والأمن القانوني، والشرعية، ويحدد بدقة طبيعة الاقتطاع، ومعاييره، وآثاره القانونية والمالية والجبائية.

ولذلك، فإن إعادة صياغة الفقرة الثانية من المادة 77 تبدو كفيلة بتجاوز معظم هذه الإشكالات الدستورية، وذلك من خلال تحديد الطبيعة القانونية لهذا الاقتطاع، وبيان الغاية منه، وإقرار معايير موضوعية وملزمة لتحديد نسبته، بما يضمن تناسبها مع الهدف المتوخى.

وفي هذا الإطار، قد يكون من الملائم وضع سقف لهذه النسبة لا يتجاوز 1%، استئناسا بما هو مقرر بالنسبة لأتعاب الموثقين، إذ إن تحديدها في 10% يثير تساؤلات جدية حول مدى احترام مبدأ التناسب، بالنظر إلى تعدد الالتزامات المالية التي يتحملها المحامي خلال السنة، سواء لفائدة الهيئة أو بموجب التزاماته الضريبية والاجتماعية والمهنية.

كما ينبغي أن تعالج الصياغة المقترحة صراحة الآثار الجبائية والمحاسبية المترتبة على هذا الاقتطاع، بما يعزز الأمن القانوني، ويضمن المساواة بين المحامين، ويحد من مخاطر تضارب التأويل والتطبيق.

ويبقى الفصل في مدى دستورية هذا المقتضى من اختصاص المحكمة الدستورية، غير أن ما تثيره المادة 77 من أسئلة بشأن شرعية الاقتطاع، وحدود السلطة التقديرية، ووضوح القاعدة القانونية، وآثارها الجبائية، يجعلها من أكثر مقتضيات مشروع قانون المحاماة استحقاقا للنقاش.

فاحترام الدستور لا يقاس فقط بسلامة الغاية التي يقصدها المشرع، وإنما أيضا بسلامة الوسيلة التي يختارها لتحقيقها.

* محام بهيئة المحامين بالرباط مقبول للترافع أمام محكمة النقض

https://anbaaexpress.ma/pzrua

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى