فيصل مرجاني
تكشف كل محطة انتخابية عن مفارقة سياسية يصعب تجاهلها: فكلما ارتفع منسوب الخطاب الحزبي حول المناصفة والمساواة بين الجنسين، اتسعت الهوة بين الالتزام النظري والممارسة الفعلية.
فبمجرد الانتقال من لغة البرامج والبيانات إلى منطق تشكيل اللوائح الانتخابية المحلية، تتراجع شعارات الحداثة لتحل محلها حسابات تعكس البنية الثقافية السائدة أكثر مما تعكس المبادئ التي تدّعي الأحزاب الدفاع عنها.
ولا يمكن تفسير هذه المفارقة فقط بضعف الإرادة السياسية أو غياب الجرأة لدى الأحزاب، لأن الإشكال أعمق من ذلك بكثير.
فالأحزاب، مهما قدمت نفسها باعتبارها قاطرة للتحديث والإصلاح، تظل، في كثير من الأحيان، حبيسة الثقافة السائدة داخل المجتمع، وأسيرةً لمنظومة القيم والتمثلات الاجتماعية التي نشأت في ظلها، فتُعيد إنتاجها أكثر مما تسعى إلى نقدها أو تفكيكها أو تجاوزها.
ولهذا السبب، كثيرًا ما تتبنى خطابًا حداثيًا في العلن، بينما تمارس في الواقع سلوكًا محافظًا يخضع لإكراهات الثقافة المجتمعية أكثر مما يحتكم إلى المبادئ التي ترفعها في أدبياتها.
ومن هذا المنطلق، لا ينبغي اختزال ضعف تمثيلية المرأة في اللوائح الانتخابية المحلية في مسألة تتعلق بالشجاعة السياسية أو بحسن النوايا، لأن الأزمة ليست أزمة أشخاص، بل أزمة بنية ثقافية وسياسية.
فالأحزاب، بدل أن تضطلع بوظيفتها التاريخية في قيادة التحول المجتمعي، تنتهي إلى مسايرة الأحكام المسبقة والتمثلات التقليدية السائدة، خشية الاصطدام بها أو دفع كلفتها الانتخابية.
ولعل أكثر المفارقات دلالة أن بعض الأحزاب التي تتولى امرأة قيادتها لم تتمكن هي الأخرى من إحداث قطيعة مع هذا المنطق.
فالمسألة لا ترتبط بجنس من يتولى القيادة، وإنما بطبيعة العقل السياسي الذي يحكم المؤسسة الحزبية. فعندما يظل هذا العقل خاضعًا لنسق بطريركي يعيد إنتاج الهيمنة الذكورية، فإنه يستنسخ آليات الإقصاء نفسها، حتى وإن كانت القيادة الحزبية في يد امرأة.
إن الأزمة الحقيقية ليست أزمة نصوص قانونية، ولا أزمة مقتضيات دستورية، بل أزمة ثقافة سياسية لم تتحرر بعد من النسق البطريركي الذي يعيد إنتاج الهيمنة الذكورية داخل الأحزاب، ويحول دون انتقال خطاب المساواة من مستوى الشعارات إلى مستوى الممارسة.
فالكفاءة لا جنس لها، والاستحقاق لا يُقاس بالنوع الاجتماعي، والديمقراطية لا تُختبر في الخطب والبلاغات، وإنما في كيفية توزيع السلطة والتمثيلية داخل المؤسسات الحزبية.
فالدور التاريخي للأحزاب لا يقتصر فقط على تمثيل المجتمع كما هو، وإنما يتمثل في الارتقاء بوعيه، ومساءلة الثقافة السائدة، وقيادة التحولات الكبرى، حتى عندما تكون كلفتها السياسية والانتخابية مرتفعة.
أما حين تتحول الأحزاب إلى مجرد انعكاس للواقع بدل أن تكون قوة لتغييره، فإنها تفقد وظيفتها الإصلاحية، وتصبح أداة لإعادة إنتاج البنى الاجتماعية نفسها التي تدّعي في خطاباتها أنها جاءت لتجاوزها.




